العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٩ - و خطبة أبي حمزة بالمدينة
أوصيكم بتقوى اللّه و طاعته، و العمل بكتابه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و سلم، و صلة الرحم، و تعظيم ما صغرت الجبابرة من حق اللّه، و تصغير ما عظّمت من الباطل، و إماتة ما أحيوا من الجور، و إحياء ما أماتوا من الحقوق، و أن يطاع اللّه و يعصى العباد في طاعته؛ فالطاعة للّه و لأهل طاعة اللّه، و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ ندعو إلى كتاب اللّه و سنة نبيه، و القسم بالسوية، و العدل في الرعية، و وضع الأخماس في مواضعها التي أمر اللّه بها؛ إنا و اللّه ما خرجنا أشرا [١] و لا بطرا [٢] و لا لهوا و لا لعبا؛ و لا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها و لا لثأر قد نيل منّا؛ و لكنا لمّا رأينا الأرض قد أظلمت، و معالم الجور قد ظهرت، و كثر الادّعاء في الدين، و عمل بالهوى، و عطّلت الأحكام، و قتل القائم بالقسط [٣] ، و عنّف القائل بالحق-سمعنا مناديا ينادي إلى الحق و إلى طريق مستقيم، فأجبنا داعي اللّه، فأقبلنا من قبائل شتى، قليلين مستضعفين في الأرض، فآوانا اللّه و أيدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا، و على الدين أعوانا.
يأهل المدينة، أوّلكم خير أوّل، و آخركم شرّ آخر؛ إنكم أطعتم قراءكم و فقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج، بتأويل الجاهلين، و انتحال المبطلين؛ فأصبحتم عن الحق ناكبين [٤] ، أمواتا غير أحياء و ما تشعرون.
يأهل المدينة، يا أبناء المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان، ما أصح أصلكم، و أسقم فرعكم!كان آباؤكم أهل اليقين، و أهل المعرفة بالدين، و البصائر النافذة، و القلوب الواعية؛ و أنتم أهل الضلالة و الجهالة؛ استعبدتكم الدنيا فأذلتكم و الأمانيّ فأضلتكم؛ فتح اللّه لكم باب الدّين فسددتموه، و أغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه؛ سراع إلى الفتنة، بطاء عن السّنّة [٥] ؛ عمي عن البرهان، صمّ عن العرفان؛
[١] أشرا: بطرا.
[٢] بطرا: أي أبطرته النعمة اختال و تكبّر.
[٣] القسط: العدل.
[٤] ناكبين: مبتعدين.
[٥] السنّة: الشريعة الاسلامية.