العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٧ - خطبة لقطري بن الفجاءة في ذمّ الدنيا
للمناخر، و أعانت عليهم ريب المنون، و عقرتهم بالمصائب؛ و قد رأيتم تنكّرها لمن دان لها و آثرها و أخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر الأمد. هل زوّدتهم إلا الشقاء، و أحلّتهم إلا الضنك، أو نوّرت لهم إلا الظلمة، و أعقبتهم إلا الندامة؟ أ فهذه تؤثرون، أم عليها تحرصون، أم إليها تطمئنون؟يقول اللّه تبارك و تعالى:
مَنْ كََانَ يُرِيدُ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمََالَهُمْ فِيهََا وَ هُمْ فِيهََا لاََ يُبْخَسُونَ `أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ اَلنََّارُ وَ حَبِطَ مََا صَنَعُوا فِيهََا وَ بََاطِلٌ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [١] ؛ فبئست الدار لمن لم يتّهمها، و لم يكن فيها على وجل منها؛ اعملوا و أنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ؛ فإنما هي كما نعت اللّه عز و جل: لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكََاثُرٌ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ [٢] . فاتّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريع آية يعبثون، و يتخذون مصانع لعلهم يخلدون، و بالذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً [٣] ؛ و اتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، و أنزلوا[الأجداث]فلا يدعون ضيفانا، و جعل لهم من الضريح أكنان، و من التراب أكفان، و من الرّفات جيران؛ فهم جيرة لا يجيبون داعيا، و لا يمنعون ضيما، إن أخصبوا لم يفرحوا، و إن قحطوا لم يقنطوا، جمع و هم آحاد، جيرة و هم أبعاد، متناءون و هم يزارون و لا يزورون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، و جهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، و لا يرجى دفعهم، و هم كمن لم يكن، قال اللّه تعالى: فَتِلْكَ مَسََاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاََّ قَلِيلاً وَ كُنََّا نَحْنُ اَلْوََارِثِينَ [٤]
استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسعة ضيقا، و بالآل غربة، و بالنور ظلمة، فجاءوها حفاة عراة فرادى، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد يقول اللّه تبارك و تعالى: كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنََا إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ [٥] ، فاحذروا ما حذركم اللّه، و انتفعوا بمواعظه، و اعتصموا بحبله، عصمنا اللّه و إياكم
[١] سورة هود الآية ١٥ و ١٦.
[٢] سورة الحديد الآية ٢٠.
[٣] سورة فصلت الآية ١٥.
[٤] سورة القصص الآية ٥٨.
[٥] سورة الانبياء الآية ١٠٤.