العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٦ - خطبة لقطري بن الفجاءة في ذمّ الدنيا
٢٢٦
تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [١] . مع أن امرأ لم يكن منها في حيرة، إلا أعقبته بعدها عبرة؛ و لم يلق من سرائها بطنا، إلا منحته من ضرائها ظهرا؛ و لم تطلّه منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة [٢] بلاء؛ و حريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة؛ و إن جانب منها اعذوذب و احلولى، أمر عليه منها جانب فأوبأ؛ و إن لبس امرؤ من غضارتها و رفاهيتها نعما، أرهقته من نوائبها غمّا؛ و لم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها في قوادم خوف؛ غرّارة، غرور ما فيها؛ باقية، فان ما عليها؛ لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه، و من استكثر منها استكثر مما يوبقه [٣] ، و زال عما قليل عنه، استكثر مما يوبقه؛ كم واثق بها قد فجعته، و ذي طمأنينة إليها قد صرعته، و كم من ذي اختيال فيها قد خدعته؛ و كم من ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا و ذي نخوة فيها قد ردّته ذليلا، و ذي تاج قد كبّته [٤] لليدين و الفم؛ سلطانها دول [٥] ، و عيشها رنق، و عذبها أجاج، و حلوها مرّ، و غذاؤها سمام، و أسبابها رمام [٦] و قطافها سلع [٧] ؛ حيها بعرض موت، و صحيحها بعرض سقم، و منيعها بعرض اهتضام؛ مليكها مسلوب، و عزيزها مغلوب، و صحيحها و سليمها منكوب؛ و حائزها و جامعها محروب؛ مع أنّ من وراء ذلك سكرات الموت و زفراته، و هول المطّلع، و الوقوف بين يدي الحكم العدل؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
أ لستم في مساكن من كان أطول أعمارا، و أوضح آثارا، و أعدّ عديدا، و أكثف جنودا، و أعتد عتادا، و أطول عمادا؟تعبّدوا للدنيا أيّ تعبد، و آثروها أي إيثار، و ظعنوا عنها بالكرّة و الصّغار؛ فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، و أغنت عنهم فيما أمّلتهم به بخطب!بل أثقلتهم بالفوادح، و ضعضعتهم بالنوائب، و عفّرتهم
[١] سورة الكهف الآية ٤٥.
[٢] المزن: السحاب يحمل الماء.
[٣] يوبقه: يهلكه.
[٤] كبّته: صرعته، و كبّ إناء: مكبه.
[٥] دول: أي لا يستقرّ لأحد بل يتداوله البعض لمن البعض.
[٦] رمام: بالبة.
[٧] سلع: شجر مر.