الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٩٤ - (كتاب العقل والجهل)
فأتاهم من عنداللَّه بما لم يكنْ في وُسْعِهِم مثلُهُ، وما أبْطَلَ به سحرَهم، وأثْبَتَ به الحجّةَ عليهم، وإنّ اللَّهَ بَعَثَ عيسى عليه السلام في وقتٍ قد ظهرَتْ فيه الزماناتُ، واحتاجَ الناسُ إلى الطبّ، فأتاهم من عنداللَّه تعالى بما لم يكن عندهم مثلُه، وبما أحيا لهم الموتى، وأبرَأَ الأكمَهَ والأبرصَ بإذن اللَّه تعالى، وأثبَتَ به الحجّةَ عليهم. وإنّ اللَّه تعالى بعث محمّداً صلى الله عليه و آله في وقتٍ كان الغالبُ على أهل عصره الخُطَبَ والكلامَ- وأظنُّه قال: الشعر- فأتاهم من عند اللَّه تعالى من مواعظه وحِكَمِه ما أبطلَ به قولَهم، وأثْبَتَ به الحجّةَ عليهم».
قال: فقال ابنُ السكّيتِ: تاللَّهِ ما رأيْتُ مثلَكَ قطُّ، فما الحجّةُ على الخلق اليومَ؟ قال:
وقوله عليه السلام: (وأثبت به) أي بما أتاهم من عند اللَّه. و «الزمانات» بفتح الزاي المعجمة جمع الزمانة وهي العاهة، أي الآفات والأمراض.
وقوله عليه السلام: (واحتاج الناس إلى الطبّ) فبالغوا في تحصيله.
وقوله عليه السلام: (فآتاهم من عند اللَّه بما لم يكن عندهم مثله) أي آتاهم بسبب دعائه بإذن اللَّه من عند اللَّه بما لم يكن عندهم مثله من دفع الأمراض والأسقام، وبما أحيا لهم الموتى، وبما أبرأ الأكمه والأبرص، فيكون الصحّة وإحياء الأموات وإبراء الأكمه والأبرص من فعل اللَّه تعالى بتوسّط دعاء عيسى عليه السلام، وذلك الدعاء معلّق على إذنه تعالى، ونسبة تلك[١] الأفعال إلى عيسى عليه السلام مجاز باعتبار سببيّة دعائه عليه السلام، وكذا الحال في سائر المعجزات وخوارق العادات؛ فإنّها جميعاً من أفعال اللَّه تعالى بسبب دعاء الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وإنّما يكون دعاؤهم بإذن اللَّه تعالى كما قال في سورة الرعد: «وَ ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»[٢]، وفي سورة إبراهيم: «وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»[٣]، وكذا الحال في كرامات الأولياء والأئمّة عليهم السلام.
وقول الراوي: (وأظنّه قال: الشعر) يعني وأظنّه ضمّ الشعر، وقال: الخطب والكلام والشعر.
وقوله: (فما الحجّة على الخلق اليوم؟) أي فما الحجّة للإمام على إثبات إمامته على امّة
[١]. في النسخة:« ذلك».
[٢]. الرعد( ١٣): ٣٨؛ غافر( ٤٠): ٧٨.
[٣]. إبراهيم( ١٤): ١١.