الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٧٤ - (كتاب العقل والجهل)
يا هشام، كيف يزكو عند اللَّه عملُكَ، وأنت قد شغلتَ قلبَك عن أمر ربّك، وأطعْتَ هواك على غلبة عقلك؟!
يا هشام، الصبرُ على الوحدةِ علامة قوّةِ العقلِ، فمن عَقَلَ عن اللَّه اعتزلَ أهلَ الدنيا والراغبين فيها، ورَغِبَ فيما عند اللَّهِ، وكانَ اللَّه انْسَه في الوحشة، وصاحبَه في الوحدة، وغِناهُ في العَيْلَةِ، ومُعِزَّهُ من غير عَشيرةٍ.
يا هشام، نُصِبَ الحقُّ لطاعة اللَّه، ولا نَجاةَ إلّابالطاعة، والطاعةُ بالعلم، والعلمُ
وقوله عليه السلام: (كيف يزكو[١] [عند اللَّه] عملك) إلخ استدلال على السابق، يعني كيف ينمى عند اللَّه تعالى أجرُ عملك؟ وهذا من الخطاب العامّ.
وقوله عليه السلام: (وأنت شغلتَ قلبَك عن أمر ربّك) أي شغلت قلبك بالتفكّر في امور الدنيا عن التفكّر في شأن ربّك من المعارف الإلهيّة والامور الاخرويّة، وهذا ناظر إلى قوله: «من أظلم نورَ تفكّره بطول أمله» ولمّا كان هذا أهمّ من الثلاث جعل له دليلًا مفرداً، ثمّ ذكر للثلاث دليلًا شاملًا وهو قوله: «وأطعت» إلخ.
وقوله عليه السلام: (الصبر على الوحدة) أي الاعتزال عن أهل الدنيا بل ترك الدنيا وما فيها بكلّها والفناء في اللَّه كما هو من أعلى مقامات العارفين (علامة قوّة العقل) ومنتهى كماله.
و «عن» في قوله: (عن اللَّه) إمّا زائدة، أي فمن عرف اللَّه كمال المعرفة، أو من عرف اللَّه منه تعالى كالنفوس القدسيّة.
وقوله: (ورغب فيما عند اللَّه) أي القرب إلى جَنابه بل الفناء في اللَّه.
وقوله: (مُعِزَّه) مصدر ميمي.
وقوله عليه السلام: (نصب الحقّ) على صيغة المجهول، ويحتمل المصدر، أي وضع الشرائع ببعث الأنبياء والرسل لأجل طاعة اللَّه في أوامره ونواهيه؛ لأنّ العقل غير مستقلّ بمعرفة حسن الأشياء وقبحها على سبيل التفصيل، فلا بدّ من أن يعرف ذلك بتوقيف اللَّه تعالى وإعلامه بوساطة الأنبياء والرسل في صورة الأمر والنهي؛ ليحصل النجاة عن العذاب بطاعة
[١]. في النسخة:« تزكو».