الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٣٤ - باب المشيّة و الإرادة
كإسناد الإضاءة إلى الشمس والسراج مثلًا، فبعض الأفعال الصادرة عن الطبائع النوعيّة كالحركات الطبيعيّة والقسريّة والأفعال الاختياريّة لا سيّما للإنسان، بل الأفعال الصادرة عن النفوس الفلكيّة والعقول المجرّدة بناءً على القول بوجودهما، فذهب بعضهم إلى أنّ كلّ واحد منهم فاعل مؤثّر بالاستقلال لفعله، وذهب بعضهم إلى أنّ كلّ واحد من تلك الامور- لا سيّما إرادة النفوس الحيوانيّة والإنسانيّة والفلكيّة بل إرادة العقول مع عدم المانع- شرطٌ وواسطة لصدور تلك الأفعال من مفيض الوجود مع الاتّفاق، على أنّها أفعال لتلك الامور؛ إذ المحرّك والمنمي والقائم والقاعد والآكل والشارب مثلًا هو من قام به الفعل لا من أوجده، فإسناد الأفعال إلى تلك الامور عند هؤلاء من قبيل إسناد الفعل إلى الشرائط والوسائط لا الى الفاعل والموجد.
وأمّا ما يستفاد من كلام الحكماء المحقّقين الإلهيين لا سيّما من كلام الأئمّة عليهم السلام أنّ أفعال تلك الامور إنّما يوجد بمجموع تأثير المبدأ الأوّل وتأثير تلك الامور، فكلّ واحد منها شريك لعلّة فاعليّة فعله كما صرّح الحكيم بذلك المعنى في الصورة حيث قال: وبرهن على أنّ الصورة شريكة لعلّة فاعليّة الهيولى، ففعل العبد واقع بمجموع القدرتين والإرادتين وتعلّقهما والتأثيرين[١]، والعبد لا يستقلّ في إيجاد فعله بحيث لا دخل لقدرة اللَّه تعالى فيه أصلًا، بمعنى أنّه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمّة الفعل المقدور للعبد مطلقاً كما ذهب إليه المفوّضة، أو لا تأثير لقدرته تعالى فيه وإن كان قادراً على طاعة العاصي جبراً؛ لعدم تعلّق إرادته بجبره في أفعاله الاختياريّة كما ذهب إليه المعتزلة، وهذا أيضاً نحو من التفويض وقولٌ بالقدر كما سيجيء تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى وبطلانه ظاهر، كيف لا، ولقدرة خالق العبد وموجده تأثير في فعل العبد بلا شبهة كما يحكم عليه[٢] الحدس الصائب، وليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلًا، سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري
[١]. في المرآة:+« من العبد ومن الربّ سبحانه».
[٢]. في المرآة:« به».