الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٦٨ - كتاب فضل العلم
رجلٌ عالمٌ آخِذٌ بعلمه، فهذا ناج، وعالمٌ تاركٌ لعلمه، فهذا هالك، وإنَّ أهلَ النار لَيَتَأذّونَ من ريح العالم التارك لعلمه، وإنَّ أشدَّ أهلِ النار نَدامةً وحسرةً رجلٌ دعا عبداً إلى اللَّه، فاستجاب له وقَبِلَ منه، فأطاع اللَّه، فأدخَلَه اللَّهُ الجنّةَ وأدخَلَ الدَّاعِيَ النارَ بتَرْكه علمَه، واتّباعِهِ الهوى وطولِ الأمل، أمّا اتّباعُ الهوى فيَصُدُّ عن الحقّ، وطولُ الأمل يُنسي الآخرةَ».
٢. محمّد بن يحيى، عن أحمدَ بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيلَ بن جابر، عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «العلمُ مَقرونٌ إلى العمل، فمَن عَلِمَ عَمِلَ، ومن عَمِلَ عَلِمَ،
وقوله: (آخِذٌ بعلمه) أي عامل بمقتضى علمه.
وقوله: (تارك لعلمه) أي تارك لمقتضى علمه من الإتيان بالمأمورات، والكفّ عن المنهيّات بل عامل بخلاف علمه بسبب اتّباع الهوى وطول الأمل.
و (الهوى) بفتح الهاء والقصر هوى النفس، أي اشتهاؤها وحبّها.
قوله عليه السلام: (العلم مقرون إلى العمل)
أقول: لعلّ المراد من العمل هاهنا ما يعمّ من القطعي في الاصول والظنّي في الفروع.
وقوله: (مقرونٌ إلى العمل) إلى قوله: (والعلمُ يَهتِفُ) يحتمل أن يكون أمراً في صورة الخبر، والمعنى: أنّه اجعلوا علمكم مقارناً لعملكم حتّى يرتّب عليهما معاً النجاة والمغفرة، كما يدلّ على ذلك اقترانه مع العمل في كتاب اللَّه تعالى كقوله جلّ ذكره: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» وتعليق المغفرة والنجاة عليهما معاً، فمن علم يجب أن يعمل بمقتضى علمه، ومن عمل شيئاً يجب أن يعمل على طبق علمه لا على خلافه بمقتضى هوى نفسه.
والظاهر أن يكون خبراً، وحينئذٍ معناه أنّ العلم مقرون إلى العمل في البقاء لا في الحدوث، والمراد أنّ بقاء العلم بالعمل، فمن علم علماً باقياً في مدّة طويلة كان ذلك لاستقراره ورسوخه بسبب علمه، سواء كان ذلك العلم ظنّياً فرعياً متعلّقاً بالعمل أم قطعياً اصولياً؛ لما عرفت من أنّ اصول الدين إنّما يبقى على وجه الكامل مع العمل، وأمّا مجرّدة عن العمل فيضعف، ويطرأ عليه الغفول والنسيان، ويتطرّق عليه الشبه والشكوك، ومن عمل كان علمه- سواء كان من الاصول أو الفروع المتعلّقة بالعمل- باقياً في مدّة طويلة مادام