الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٦٧ - كتاب فضل العلم
متعمّداً؛ فلو عَلِمَ الناسُ أنّه منافق كذّاب، لم يَقبلوا منه ولم يُصدّقوه، ولكنّهم قالوا هذا قد صَحِبَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه و آله ورآه وسَمِعَ منه، وأخَذوا عنه وهم لا يَعرفون حالَه.
وقد أخبَرَه اللَّه عن المنافقين بما أخبَرَه، ووَصَفَهم بما وَصَفَهم، فقال عزّ وجلّ: «وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» ثمَّ بَقوا بعدَه، فَتَقَرَّبوا إلى أئمّة الضلالة والدُّعاةِ إلى النار بالزور والكَذِب والبهتان، فَوَلّوهم الأعمالَ، وحَمَلُوهم
وقال الجوهري: «الحَرَجُ: الإثمُ. وتَحَرَّجَ، أي تأثَّم»[١] انتهى.
و «أن» في قوله: «أن يكذب» مصدريّة. ومعناه: لا يكفّ عن إثم الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله متعمّداً، أو لا يتوب ولا يرجع عن معصية الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله متعمّداً.
وقيل: أي لا يتأثّم ولا يتحرّج عن أن يكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؛ لتضمين معنى التحرّز.
وقوله عليه السلام: (لم يقبلوا منه) أي لم يقبلوا الحديث منه، وكذا قوله: «وأخذوا عنه» أي الناس أخذوا الحديث عنه.
وقوله عليه السلام: (وقد أخبره اللَّهُ عن المنافقين) استدلال على أنّ بعض الأصحاب كانوا منافقين. والضمير راجع إلى الرسول.
وقوله: (بما أخبره) أي بما أخبره في القرآن من وجودهم في عصره بنحو قوله سبحانه:
«وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ»[٢] وفيه إشارة إلى أنّ الرسول إذا لم يعلمهم فكيف يعلمهم الناس؟
وقوله عليه السلام: (ووصفهم بما وصفهم) أي في القرآن، «فقال عزّ وجلّ» أي في سورة المنافقين. والفاء لتفصيل الوصف. وقوله تعالى: «تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ»[٣] لضخامتها وحسن ظاهرها «وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ»[٤] لكونهم بين الناس معظّمين.
وقوله عليه السلام: (ثمّ بَقوا بعدَه) أي ثمّ هؤلاء المنافقون الكذّابون[٥] بقوا بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
[١]. الصحاح، ١، ص ٣٠٥ و ٣٠٦( حرج).
[٢]. التوبة( ٩): ١٠١.
[٣]. المنافقون( ٦٣): ٤.
[٤]. تتمّة الآية السابقة.
[٥]. في النسخة:« المنافقين الكذّابين».