الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٠٣ - (كتاب العقل والجهل)
والحزمُ مَساءةُ الظنِّ، وبين المرء والحكمة نِعْمةُ العالِم، والجاهلُ شقيٌّ بينهما، واللَّهُ وليُ
الدنيا، وإنّ أظهر بعضهم الحقّ وترك الدنيا للدنيا.
وقوله عليه السلام: (والحزمُ مَساءَةُ الظنِّ) أي الاحتياط عدم الاعتماد على أحد حتّى يحصل الجزم بأنّه محلّ الاعتماد، وعدم الاغترار بالكثرة والجماعة؛ لكثرة اختلال رأيهم لاتّباع الهوى وحبّ الدنيا.
قوله عليه السلام: (بين المرء والحكمة نعمة العالم، والجاهل شقيّ بينهما)
أقول- ومن اللَّه التوفيق والهداية-: الحكمة- كما مرّ مراراً[١]- هي استكمال القوّة النظريّة من النفس بحصول العقل بالفعل، واستكمال القوّة العمليّة منها بحصول الأخلاق والملكات المؤدّية إلى صلاح المعاش والمعاد، والنعمة هي السعادة الأبديّة والتشبّه بجناب الأحديّة في الكمالات العلميّة والعمليّة، لا ينال تلك النعمة إلّاالمرء المتّصف بالحكمة، ولعلّ المراد بالعالم هاهنا العالم الذي لا يعمل بعلمه، فكلّ واحد من العالم والجاهل شقيّ بينهما، أي بين الحكمة والنعمة لا نصيب له من الحكمة التي هي استكمال القوّتين معاً.
أمّا العالم فلانتفائها عنه بانتفاء جزئها الأخير، وأمّا الجاهل فلانتفائها عنه بانتفاء الجزء الأوّل، ولا حظّ لكلّ منهما من النعمة والسعادة المترتّبة على الحكمة؛ لانتفاء المعلول بانتفاء علّته.
اعلم أنّ هذا الحلّ- الذي أيّدني اللَّه تعالى به- أليق وأوفق ممّا ذكره الناظرون في هذا المقام، ولا ضير في نقل مقالهم لينكشف لك جليّة الحال، فقال بعضهم[٢]: لعلّ مراده عليه السلام أنّ النعم تمنع[٣] المرء عن تحصيل الحكمة وهي العمل على حسب العلم، والعالم والجاهل شقيّ بين النعم والحكمة، أمّا العالم فشقي بسبب تنعّمه عن العمل بمقتضى علمه،
[١]. مرّ في ص
[٢]. كتب في النسخة تحتها:« م د رحمه الله». المراد به الميرزا محمد الإسترآبادى ظاهراً، وقد أورد بعض حواشيه علىالكافي صهره محمّد أمين الإسترآبادي في حاشيته على اصول الكافي، ولم أعثر عليها في هذه الحاشية.
[٣]. في النسخة:« يمنع».