الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٤٦ - المسلك الثالث في الاستدلال بحدوث الحوادث على وجوده تعالى
المذكور كافٍ في إثبات إنّيّة تلك الأفعال، ولذلك يعلّلون الأفعال بغاياتها كتعريض بعض الأسنان مثلًا لصلاحية المضغ التي هي غايتها، فلولا كون تلك الغاية مقتضية لوجود الفعل، لما صحّ التعليل بها[١].
هذا كلامه وهو نصّ فيما ذكرناه من أنّه لو لم يكن تلك المصالح والمنافع والحِكَم مقتضية لوجود كلّ من أجزاء العالم بهذا النحو الخاصّ لم يمكن التعليل بها أصلًا.
ثمّ لا يخفى على اولي النهى أنّ تلك المنافع والمصالح والحِكَم ما لم تكن[٢] موجودة بنحو من أنحاء الوجود لم تكن مقتضية لوجود هذه الأجزاء بهذه الأنحاء؛ ضرورة أنّ المعدوم المطلق لا يقتضي شيئاً، وليس لها قبل وجوده العيني وجود في الخارج بديهة، فلا بدّ أن تكون[٣] موجودة بالوجود العلمي، فتصير تلك الحِكَم والمصالح بماهيّاتها على ما هو شأن العلل الغائيّة موجباً[٤] لصدور كلّ واحد منها بهذا النحو الخاصّ عن فاعله وموجده، فلا بدّ للعالم بجميع أجزائه من موجد حكيم عليم بهذه الحكم والمصالح، خبيرٍ بصير بهذه المنافع، قديرٍ على مراعاتها، وهو الإله المدبّر للعالم، فإن كان ذلك المدبّر واجب الوجود بالذات فهو المطلوب، وإلّا فهو ممكن محتاج إلى علّة ومدبّر آخر، وننقل الكلام إلى علّته ومدبّره حتّى ينتهي إلى الإله المدبّر للعالم بجميع أجزائه الواجب بالذات؛ لاستحالة الدور والتسلسل.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون مراعي تلك المصالح والمنافع الطبيعةَ كما هو زعم بعض الطبيعيين؟
قلت: ذلك باطل من جهتين: أمّا أوّلًا فلما مرّ أنّ الطبيعة ممكنة محتاجة إلى علّة ومدبّر، والكلام إنّما هو في مدبّر الكلّ الواجب بالذات.
[١]. شرح الإشارات، ج ٣، ص ٣٧٤.
[٢]. في النسخة:« لم يكن». وكذا في المورد الآتي.
[٣]. في النسخة:« أن يكون».
[٤]. الظاهر:« موجبةً».