الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٠٨ - اطلاق التوحيد على معانٍ
قوله تعالى: «رَبِّ الْعالَمِينَ»[١] وقوله: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ»[٢] وأمثالهما، وذلك هو التوحيد العقلي الذي استدلَّ الحجج عليهم السلام عليه بالبراهين العقليّة، ومن جملتها برهان التمانع الذي يكشف عنه قوله تعالى في سورة الأنبياء: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»[٣] وذلك معنى قول المحقّقين من الحكماء: «لا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه».
وقد خالف في ذلك فِرقٌ أعظمُها الثنويّةُ؛ فإنّهم قالوا: نجد في العالم خيراً كثيراً، وشرّاً كثيراً، والواحد لا يكون خيّراً وشرّيراً، فلكلّ منهما فاعل على حدة، والمانويّةُ والديصانيّة منهم قالوا: فاعل الخير هو النور، وفاعل الشرّ هو الظلمة، وقالوا: النور حيّ عالم قادر سميع بصير، والظلمة ميّت جاهل موجَب لا يسمع ولا يبصر، والمجوسُ منهم ذهبوا إلى أنّ فاعل الخير هو يزدان، وفاعل الشرّ هو أهرمن، ويعنون به الشيطان.
والجواب منع لزوم كون الواحد خيّراً وشرّيراً؛ يعني من يغلب خيره على شرّه، وشرّه على خيره؛ لأنّ اللازم إنّما هو صدور الخير الكثير والشرّ الكثير عنه. وأمّا غلبة شرّه على خيره فممتنع، بل إنّما يصدر عنه تعالى الخير المحض والخير الغالب، ولا يصدر عنه الشرّ المحض ولا الشرّ الغالب، فهو- جلّ ذكره- خيّر محض وليس بشرّير.
و الثالث: نفي الشريك في الوجوب الذاتي، يدلّ عليه سورة التوحيد، وقوله تعالى في سورة المؤمن: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ»[٤]، وقوله تعالى في سورة الزمر:
«سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ»[٥] ونحو ذلك؛ لأنّ لفظ «اللَّه» عَلَم للذات المستجمع لجميع صفات الكمال، المتنزّه عن جميع النقائص، وذلك لا يكون إلّاالواجب بالذات، لما ثبت في موضعه من أنّ الواجب بالذات ذاته كافٍ فيما له من الصفات، وأنّ الإمكان الذاتي- الذي هو علّة الاحتياج إلى الغير في الوجود- نقص، فكلّ ما هو واجب بالذات ذات مستجمع لجميع
[١]. وردت الآية في مواضع كثيرة من التنزيل العزيز.
[٢]. الإسراء( ١٧): ١١١.
[٣]. الأنبياء( ٢١): ٢٢.
[٤]. غافر( ٤٠): ١٦.
[٥]. الزمر( ٣٩): ٤.