الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٩٠ - كتاب فضل العلم
قال: «يُنظرُ، فما وافَقَ حكمُه حكْمَ الكتاب والسنّة وخالَفَ العامّةَ، فيُؤخَذُ به، ويُترَكُ ما خالَفَ حكمُهُ حكمَالكتاب والسنّة ووافَقَ العامّة».
قلت: جُعلت فداك، أرأيتَ إن كان الفقيهان عَرَفا حُكمَه من الكتاب والسنّة، ووَجَدْنا أحدَ الخبَريْنِ موافقاً للعامّة والآخَرَ مخالفاً لهم، بأيّ الخَبَرَيْنِ يُؤخَذُ؟
وتخصيصهما بالذكر لاشتهار الروايات عنهما، وشيوع الأخذ عن أهل البيت في زمانهما دون السابقين؛ لشدّة التقيّة في زمانهم، وتعلّق الأغراض بتركهم والأخذ عن غيرهم. وفي بعض النسخ: «عنهما» والضمير للحاكمين.
وقوله عليه السلام: (يُنْظَرُ فما وَافَقَ) إلخ، وجه آخر للترجيح، وهو أنّه إذا كان الخبران المتعارضان مشهورين غلب الظنّ بصحّتهما، ويكون أحدهما موافقاً للكتاب والسنّة الثابتة المقطوع بها باحتمال الدخول في المراد منهما، والكون من محاملهما عندنا، لا بأن يكون ممّا يدلّ عليه صريحهما، وإلّا فلا عبرة بالترجيحات السابقة واللاحقة؛ لدلالة الدليل القطعي على ذلك، وتعيّن العمل به، وعدم الاعتبار بما يخالفه بوجه من الوجوه.
أو موافقاً للسنّة المظنون ثبوتها- والسنّة هي قول النبيّ، أو فعله، أو تقريره، والمراد بها هاهنا الحديث النبوي- ويكون الآخر موافقاً للعامّة، أي لمذاهب المخالفين وآرائهم للتقيّة، فيؤخذ الموافق لهما المخالف للعامّة، ويترك المخالف لهما الموافق لهم.
وفي قوله: (وخالف العامّة) إشارة إلى أنّ أحكامهم مخالفة للكتاب والسنّة غالباً وإن لم يفهموه، فإنّ كلّ شيء مذكور في الكتاب والسنّة إلّاأنّه لا يبلغه عقول الرجال.
وقوله: (أرأيت) أي أخبرني (إن كان الفقيهان عرفا) أي بزعمهما، حكمه من الكتاب والسنّة المقطوع بها، بأن أخذ كلّ واحد منهما حكمه منهما بنوع من التوجيه والحمل.
وقيل: يحتمل أن يكون «عُزِفا» بالزاي المعجمة على صيغة المجهول مِن عزفت الشيء، أي منعته وصرفته، أي مُنعا حكمَه. والمقصود أنّهما لم يعرفا حكمه من الكتاب والسنّة المقطوع بها. انتهى.
ولا يخفى بُعده.