الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٥٨٦ - الأوّل البرهان المشهور،
ثمّ إنّه قد يراد به المفهوم المقيّد كما في قولك: الحيوان من حيث إنّه ناطق عين النوع، فإنّ المراد نفس مفهوم الحيوان المقيّد، وقد يراد به ما صدق عليه هذا المفهوم المقيّد كما في قولهم: المجرّد من حيث إنّه حضر عنده مجرّد عالمٌ، ومن حيث إنّه حضر عند مجرّد معلومٌ فإنّه لا يراد به أنّ مفهوم النفس مقيّداً بهذا القيد عالمٌ، ومقيّداً بذلك القيد معلومٌ؛ ضرورة أنّه ليس هذا المفهوم المقيّد الاعتباري عالماً، وليس ذلك المفهوم المقيّد الاعتباري معلوماً، كيف؟ وليس ذلك النفسَ، فليس علم النفس به علماً بنفسه، بل المراد أنّ ذات النفس باعتبار يصدق عليها أنّه يحضر عندها مجرّد وفرد لهذا المفهوم معلوم.
وبعد تحقيق ذلك نقول: إنّ معنى قوله: «الفاعل من حيث إنّه فاعل موجب للمفعول» أنّ فرد الفاعل باعتبار أنّه فرد الفاعل مع قطع النظر عن كونه فرداً للقابل موجب للمفعول، وكذلك نقول في القابل: إنّ فرد القابل باعتبار أنّه فرد له مع قطع النظر عن كونه فرداً للفاعل لا يوجبه ولا يقتضيه أصلًا.
والحاصل أنّ هاهنا فردين مختلفين بالاعتبار أحدهما الفاعل المخصوص، والثاني القابل المخصوص، وفرد الفاعل موجب للمفعول دون فرد القابل؛ فإنّ العقل إذا لاحظ فرد الفاعل، وأغمض عن كونه فرد القابل، يجده مقتضياً لمفعوله، وإذا لاحظ فرد القابل، وأغمض عن كونه فرد الفاعل، لا يجده موجباً لمقبوله، بل يجده غير مقتضٍ له، فلا يمكن أن يكون شيء واحد بسيط من جهة واحدة فرداً للقابل والفاعل معاً بالنسبة إلى أمر واحد، وإلّا لكان موجباً له غير موجب له معاً، وهذا بديهيّ البطلان، ضروريّ الامتناع؛ فتأمّل فإنّه دقيق.
واعترض عليه المحقّق الدواني أيضاً بأنّهم جوّزوا كون علمه تعالى- مع أنّه عين ذاته وذاته واحد بسيط حقيقي- قدرةً باعتبار صحّة الفعل والترك، وإرادةً باعتبار وجوب الفعل عنه، فلِمَ لا يجوز أن يكون الأمر في الفاعليّة والقابليّة أيضاً كذلك، فيكون باعتبار الفاعليّة يجب له الصفة، وباعتبار القبول لم تجب.