الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٤٥ - المسلك الثالث في الاستدلال بحدوث الحوادث على وجوده تعالى
المصالح والحكم دون نحو ووجه آخر لا يؤدّي إليها ليس إلّالأجل تلك المصالح والغايات بالضرورة، ولم يبق له ريب وشكّ في أنّ وجود كلّ منها بهذا النحو المخصوص معلّل[١] بتلك الحِكَم والمصالح، وأنّ وقوعه على هذا الوجه المخصوص- مع أنّه يمكن أن لا يقع على هذا الوجه- ليس إلّالهذه الغايات، وليس ترتّب تلك الغايات عليه باتّفاقي محض، ومَن توقّف في هذا الحكم فقد خرج عن الفطرة الإنسانيّة.
قال المعلم الأوّل: إنّ النظام البديع- الذي توجد لأجزاء العالم بعضها مع بعض- يدلّ على أنّ العالم ليس وجوده بالاتّفاق والبخت[٢].
وقد قال الشيخ في الشفاء: من تأمّل منافع أعضاء الحيوان وأجزاء النبات لم يبق له شكّ في أنّ الامور الطبيعيّة لغاية[٣]. وكذلك نحن نقول: من تأمّل منافع أجزاء العالم ومصالحها وغاياتها، لم يبق له ريب في أنّها لهذه الغايات والحِكَم والمصالح.
ثمّ لا ريب في أنّه لو لم يكن تلك المصالح والمنافع والحِكَم مقتضية لوجوده بهذا النحو والوجه المخصوص، لما حكم العقل بأنّ وجوده بهذا الوجه الخاصّ لأجلها ومعلّل بها أصلًا. قال المحقّق الطوسي في شرحه للإشارات:
استناد الأفعال الطبيعيّة إلى غاياتها الواجبة مع القول بالعناية الإلهيّة على الوجه
[١]. في النسخة:« معلّل».
[٢]. اثولوجيا، ص ١٢٧.
[٣]. الشفاء، ص ٤٣٨- ٤٣٩، الفصل الأوّل، قال:« وإذا شئت أن تعلم أنّ الامور التي عقلت نافعة مؤدّية إلى المصالح قدأوجدت في الطبيعة على النحو من الإيجاد الذي علمته وتحقّقته، فتأمّل حال منافع الأعضاء في الحيوانات، وأنّ كلّ واحد كيف خلق. وليس هناك البتّة سبب طبيعي مبدؤه لا محالة من العناية على الوجه الذي علمت العناية».
وقال في ص ٤١٥، الفصل السادس:« ولا لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكوّن العالم وأجزاء السماوات وأجزاء الحيوان والنبات ممّا لا يصدر ذلك اتّفاقاً، بل يقتضي تدبيراً ما، فيجب أن يعلم أنّ العناية هي كون الأوّل عالماً لذاته بما عليه الوجود في نظام الخير، وعلّة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان، وراضياً به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان، فيفيض عنه ما يعقله نظاماً وخيراً على وجه الأبلغ الذي يعقله فيضاناً على أتمّ تأدية إلى النظام بحسب الإمكان، فهذه هو معنى العناية».