الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - كتاب فضل العلم
٦. عليُّ بن إبراهيم، عن أبيه، عنمحمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، قال: سمعتُ أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: «إنَّ رُواةَ الكتاب كثيرٌ، وإنَّ رعاتَه قليلٌ، وكم من مُسْتَنْصِحٍ للحديث مُستَغِشٌّ للكتاب، فالعلماءُ يَحْزُنُهُم تركُ الرعاية، والجهّالُ يَحْزُنُهم حفظُ الرواية،
وقوله عليه السلام: (إنّ رواة الكتاب كثير وإنّ رعاته قليل)
المراد برواة الكتاب رواة القرآن، قراءة كانت أو تفسيراً، بأن يكون راوياً لتفسيره من الأحاديث من غير تدبّر فيها للعمل بها، والمراد برعاته مَن يتدبّر ويتفكّر فيه ويتنبّه لمقصوده، ويعمل على طباقه.
وقوله عليه السلام: (وكم مستنصح للحديث مستغشّ للكتاب) جملة معترضة و «كم» للتكثير، يقال: استنصحه، أي عدّه نصحاً خالصاً عن الغشّ، واستغشّه، أي عدّه مغشوشاً، أي وكم من عامل بالحديث المخالف للقرآن، فيكون مستغشّاً للقرآن. والمقصود أنّ الحديث إذا كان مخالفاً لمحكمات القرآن وظواهره يجب تأويله وطرحه، ولا يجوز تأويل محكماته وظواهره بالحديث المخالف له.
وقوله عليه السلام: (فالعلماء يَحزُنُهم تركُ الرعاية، والجهّالُ يحزنهم حفظُ الرواية).
أقول: لعلّ المراد بالعلماء هاهنا أصحاب الفقه والعقل من طلبة العلم الذين يعملون بعلمهم؛ لأنّهم يستحقّون بهذه التسمية؛ لانتفاعهم بعلمهم الكامل، وبالجهّال الصنفان الآخران: أعني أصحاب الجهل والمراء، وأصحاب الاستطالة والخَتَل، فإنّهم- لتضرّرهم وتشديد عقابهم بعلمهم بالنسبة إلى الجهّال الذين لا يعلمون الكتاب أصلًا- يستحقّون بتلك التسمية. يقال: أحزنه وحَزَنَه كنصَرَه، إذا جعله محزوناً، أي العلماء الذين يكون مطلوبهم معرفة مطالب الكتاب ومقاصده، والعملَ على طباقها يحزنهم ترك الرعاية والتدبّر والتفكّر في القرآن وعدم معرفة مطالبه، الذي يفضي إلى عدم العمل به عاجلًا في الدنيا؛ حيث يعلمون ما في الترك من سوء العاقبة، وآجلًا في العقبى عند ظهور ما يرتّب على تفريطه، فهؤلاء يحزنون بترك مطلوبهم، وفعل[١] [ما] يوجب مسرّتهم وعلوّ رتبتهم في
[١]. في النسخة:« فعله».