الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - كتاب فضل العلم
وَجِلًا داعِياً مُشفِقاً، مُقبِلًا على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مُسْتَوْحِشاً من أوثق إخوانه، فشدَّ اللَّهُ من هذا أركانَه، وأعطاه يومَ القيامة أمانَه».
وحدَّثني به محمّدُ بن محمودٍ أبو عبداللَّه القزوينيّ، عن عدَّة من أصحابنا منهم جعفر بن محمّد الصيقل بقزوين، عن أحمد بن عيسى العَلَوِيّ، عن عَبّاد بن صُهَيب البصريّ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام.
يكون منظور قلبه في بعض الأحيان دفع عقاب، أو نيل ثواب مثلًا بتلك العبادة، وذلك ينافي الخلوص والقربة، ومن عدم دوامها وزوالها في أثناء عمره وغير ذلك من الأخاويف.
(داعياً) أي طالباً منه سبحانه توفيقه للاهتداء بالهداية والثبات على الإيمان ونيل العفو والمغفرة والسعادة الأبديّة.
(مشفقاً) أي خائفاً من الانتهاء إلى الضلال والشقاء وفساد الاعتقاد وسوء العاقبة.
ويحتمل أن يكون معناه داعياً لغيره ممّن له استعداد وقابليّة للاهتداء إلى الحقّ، سواء كان بحسب النطق والمقال، أو بلسان الحال، فإنّ بعض الناس من أهل السعادة إذا رأى من أحد حسن العبادة مال إليه واقتفى أثره، فكأنّ حسن عبادته دعوة لغيره إلى ذلك مشفقاً ناصحاً لغيره من أهل الاستعداد بدعوته إلى الحقّ بالمقال، أو بلسان الحال.
وعلى هذا فالمشفق بمعنى الشفيق من الشفق بمعنى حرص الناصح على إصلاح المنصوح.
(مقبلًا على شأنه) وإصلاح حاله، حذراً ممّا يشفق ويخاف منه.
(عارفاً بأهل زمانه) فلا ينخدع ولا يغترّ بهم.
وأيضاً يعلم أنّ أكثرهم أهل الباطل لا يؤثّر فيهم الكلام، ولا يحفظون الأسرار فيتحرّز عنهم (مستوحشاً من أوثق إخوانه) لما يعرف من أهل زمانه من الخداع والنفاق والبطلان والإفساد وإفشاء الأسرار فلا يطّلعه على سرّه؛ لأنّه ينافي كمال التقيّة.
وقوله عليه السلام: (فشدّ اللَّه) إلخ أي فشدّ اللَّه من هذا العالم (أركانه) أي أصلح حاله في الدنيا بإفاضة المعرفة وإكمال العقل، وتمكّنه من إعمال العلم والعمل على وفقه، وأصلح حاله في الآخرة بإعطاء الأمان على طبق ما كان يطلب العلم له خير جزاء في الدنيا والآخرة.