الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٣٧ - باب المشيّة و الإرادة
وهلك يقال له: هلك نفسه بمخالفته للطبيب. والحقّ إسناد الحسنات إلى اللَّه تعالى وإسناد السيّئات إلى العبد. هذا ممّا وفّقني اللَّه تعالى بتحقيقه، وجعلني متفرّداً في فهمه من أحاديث أهل البيت عليهم السلام ومنطبق على ظواهر جميع الآيات الواردة في هذا الباب ولا مخالفة حينئذٍ وشاءَ ولم يَأمُرْ، أمَرَ إبليسَ أن يَسجُدَ لآدمَ وشاءَ أن لا يَسجُدَ، ولو شاءَ لَسَجَدَ،
فيما بين ظواهرها حتّى يحتاج إلى تأويل كما فعله الأشاعرة والمعتزلة.
إذا عرفت هذا فنقول: معنى قوله عليه السلام: «أمر اللَّه ولم يشأ» أنّه أعلم العباد وأخبرهم بالأفعال[١] النافعة لهم كالإيمان والطاعة، ولم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم، كيف ولو شاء ولم يصدر عن بعضهم، لزم عجزه ومغلوبيّته، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، بل إنّما يشاء[٢] صدور الأفعال عنهم بقدرتهم واختيارهم أيّ فعل يريدونه[٣]، فما شاء اللَّه كان.
ومعنى قوله: (وشاء ولم يأمر) أنّه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أيّ فعل يريدونه[٤]، ولم يأمر كلّ ما يريدونه، يعني لم يعلمهم بنفع كلّ ما يريدونه، بل ربّما أعلمهم بمضرّة معصيته كالكفر والعصيان، وهذا معنى النهي كما مرّ، فقوله: (أمر إبليس أن يسجد لآدم) أي أعلمه بأنّ سجدته لآدم نافع له، وكفّه عنه ضارّ له (وشاء أن لا يسجد) يعني لم يشأ خصوص السجود عنه (ولو شاء) خصوص السجود عنه (لسجد) لاستحالة عجزه وغلبة إبليس عليه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، بل إنّما شاء صدور أيّ واحد من السجود وتركه- أي كفّه عنه- بإرادته واختياره، ولمّا لم يسجد إبليس، أي كفّ عن السجود بإرادته، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفّه السجود باختياره، ولمّا كان الكفّ عن السجود إنّما تحقّق[٥] بمشيّة إبليس وإرادته المؤثّرة- وهي جزؤ أخير للعلّة التامّة- وبمجرّد مشيّة اللَّه تعالى لا يجب تحقّقه؛ فلذلك يستحقّ إبليس الذمّ والعقاب، والقبيح صادر عنه، ولا يلزم صدور القبيح عن اللَّه تعالى[٦].
[١]. في المرآة:« بالأعمال».
[٢]. في المرآة:« شاء».
[٣]. في المرآة:« أرادوه».
[٤]. في المرآة:« أرادوه».
[٥]. في المرآة:« يتحقّق».
[٦]. نقل المجلسي في موضعين من مرآة العقول، ج ٢، ص ١٥٨- ١٦٠ و ٢٠١- ٢٠٣ هذه الحاشية بطولها، وعبّر عن المؤلّف في الموضع الثاني ب« بعض السالكين مسلك الفلاسفة» ثمّ قال في الموضع الأوّل: أقول:« هذا ما حقّقه بعضهم وله وجهان:
الأوّل: أن يكون المراد أنّه تعالى يوجد الفعل بعد إرادة العبد لقولهم:« لا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه» فإرادة العبد شرط لتأثيره تعالى، وهذا مخالف لقول الإماميّة، بل عندهم أنّ أعمال العباد مخلوقة لهم.
الثاني: أن يكون العباد موجدين لأعمالهم بشرط عدم حيلولته سبحانه بينهم وبين الفعل، ولتوفيقه وخذلانه سبحانه أيضاً مدخل في صدور الفعل، لكن لا ينتهي إلى حدّ الإلجاء والاضطرار، ونسبة المشيّة إليه سبحانه لتمكينهم وإقدارهم وعدم منعهم عنه لمصلحة التكليف، فيرجع إلى بعض الوجوه السابقة، وهو موافق لمذهب الإماميّة، واللَّه تعالى يعلم حقائق الامور».
وقال في الموضع الثاني:« وهذا المحقّق وإن بالغ في التدقيق والتوفيق بين الأدلّة لكن يشكل القول بتأثيره سبحانه في القبائح والمعاصي مع مفاسد اخر ترد عليه، ذكرها يفضي إلى الإطناب».