الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٣٥ - باب المشيّة و الإرادة
ويؤول مذهبه إلى الجبر كما يظهر بأدنى تأمّل، أم لا تكون كاسبة أيضاً، بمعنى أن لا يكون له قدرة واختيار أصلًا بحيث لا فرق بين مشي زيد وحركة المرتعش كما ذهب إليه الجبريّة وهم: جهم بن صفوان الترمذي[١] ومن تبعه.
فهذا ما يستفاد من كلام الأئمّة عليهم السلام من أنّه لا جبر ولا تفويض ولا قدر ولكن أمر بين أمرين، ومعنى[٢] قول الحكماء الإلهيين حيث قالوا: «لا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه» [فمعناه][٣] أنّه لا يوجد شيء إلّابإيجاد اللَّه تعالى وتأثيره في وجوده بأن يكون فاعلًا قريباً له- سواء كان بلا مشاركة تأثير غيره فيه كما في أفعاله تعالى كخلق زيد مثلًا، أو بمشاركة تأثير غيره فيه كخلقه فعل زيد مثلًا- فجميع الكائنات حتّى أفعال العباد بمشيّته تعالى وإرادته وقدره، أي تعلّق إرادته وقضائه، أي إيجاده وتأثيره في وجوده، ولمّا كان[٤] مشيّة العبد وإرادته وتأثيره في فعله، بل تأثير كلّ واحد من الامور المذكورة آنفاً في أفعالها جزءَ أخيرٍ[٥] للعلّة التامّة لأفعالها، وإنّما يكون تحقّق الفعل والترك مع وجود ذلك التأثير وعدمه، فينتفي صدور القبيح عن اللَّه تعالى، بل إنّما يتحقّق بالمشيّة والإرادة الحادثة، وبالتأثير من العبد الذي هو متمّم للعلّة التامّة، ومع عدم تأثير العبد والكفّ عنه بإرادته واختياره لا يتحقّق فعله بمجرّد مشيّة اللَّه تعالى وإرادته وقدره، بل لا يتحقّق حينئذٍ مشيّة وإرادة [و][٦] تعلّق إرادة منه تعالى بذلك الفعل، ولا يتعلّق جعله ولا تأثيره في وجود ذلك الفعل[٧] مجرّداً عن تأثير العبد، فحينئذٍ الفعل لا سيّما القبيح مستند إلى العبد، ولمّا كان مراده تعالى من إقداره العبد في فعله وتمكينه له فيه صدورَ الأفعال عنه باختياره وإرادته إذا لم يكن مانعاً[٨]، أيّ فعل أراد واختار
[١]. انظر: رسائل السيّد المرتضى، ج ٢، ص ١٨١؛ بحار الأنوار، ج ٢٧، ص ٧١؛ شرح المواقف للجرجاني، ج ٨، ص ٣٩٨؛ فتح الباري، ج ١٣، ص ٢٩٠.
[٢]. المثبت من المرآة، وفي النسخة:« فمعنى».
[٣]. من المرآة.
[٤]. في المرآة:« كانت».
[٥]. في المرآة:« جزءً أخيراً».
[٦]. من المرآة.
[٧]. المثبت من المرآة، و في النسخة:« العقل».
[٨]. في نقل المرآة:« مانع».