الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٦٤ - الأصل الأوّل
و في بعض الرسائل لأبي الحسن العامري: لولا إفاضة اللَّه تعالى بنور المعرفة لما اهتدت الطبائع والأنفس لما يلائمها من المصالح[١].
و منها: أنّ الارتباط الخاصّ والانتظام المخصوص الذي بين أجزاء العالم بحيث حصل منها جملة متّسقة منتظمة متعانقة متعلّقة بعضها ببعض، منتفعة شطراً منها من شطر، كأنّها موجود واحد، مترتّبة على تعانقها واجتماعها حِكَم ومصالح تدلّ بحكم الفطرة السليمة على أنّها مفعولات ومعلولات لفاعل وعلّة واحدة، هي الإله الحقّ الصانع للعالم؛ فإنّه لو لم يكن كذلك، فإن لم يكنّ معلولةً ومفعولة أصلًا بل يكون كلّ منها موجوداً بالاتّفاق، أو بالوجوب الذاتي، فكان كلّ منها مستقلًاّ في الوجود ومستبدّاً بذاته، لم يكن بينها هذه الارتباط الخاصّ والانتظام المخصوص أصلًا؛ فإنّ الامور المستقلّة المستبدّة- التي لا تعلّق لبعضها ببعض في الوجود أصلًا بل يكون كلّ منها موجودة بالاتّفاق، أو يكون كلّ منها واجبة بالذات- لا يحصل بينها مثل هذا الارتباط والانتظام الخاصّ التي[٢] جعلها في حكم الموجود الواحد المترتّب على اجتماعها وارتباطها وتعانقها الحِكَم والمصالح الجليلة الجسيمة بالضرورة، يشهد بذلك الفطرةُ الصحيحة، وكذا إن كانت مفعولة ومعلولة لفواعل غير منتهية إلى علّة واحدة، لم يحصل بينها مثل هذا الارتباط والتعانق أيضاً بالضرورة.
و منها: أنّ إجابة دعوة المضطّرين، وإغاثة تضرّع الملهوفين، وكشف كُرَب المكروبين حين اضطرارهم وضيق حالهم وشدّة كربهم يدلّ دلالة ظاهرة على وجود خبير بحالهم عارف باضطرارهم، عالم بسؤالهم ودعائهم حالًا ومقالًا، قادر على كشف ما بهم من الضيق والشدّة والكرب، ومعتنٍ بشأنهم، معين وحافظ ومدبّر لهم هو الإله الحقّ الصانع للعالم؛ ولهذا قيل[٣]: ربّما يستدلّ عليه أرباب المشاهدات من جهة المكاشفات، وأصحاب
[١]. لم أعثر عليه في بعض رسائله المطبوعة.
[٢]. كذا. ولعلّ الصواب:« الذي».
[٣]. قاله الفخر الرازي في المطالب العالية، ج ١، ص ٢٧١.