الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٩٨ - (كتاب العقل والجهل)
فإذا عَرَفَ ذلك عَرَفَ مَجْراه ومَوْصولَه ومَفْصولَه، وأخلَصَ الوحدانيّةَ للَّه،
أو عرف صديقه من عدوّه بالحدس الصائب وإن لم يصدر عنها شيء يدلّ على الصداقة أو العداوة، بل علم بعضهم- كالأنبياء والأئمّة عليهم السلام في الدنيا- ضمائر الناس من قصدهم نصحهم أو غشّهم، وموالاتهم أو معاداتهم، وفي الآخرة «يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ»[١] ويشهدون بموالاة المؤمنين ومعاداة المنافقين؛ لأنّهم عليهم السلام أشهاد يوم القيامة، وأشار بلفظة «ذلك» في قوله: (فإذا عرف ذلك) إلى قوله: (كيف ولم) إلخ.
وقوله عليه السلام: (عرف مجراه) أي مسلكه إلى الحقّ (وموصوله) أي عرف مرجعه وهو الدار الآخرة بل الحقّ، كما يدلّ عليه قوله تعالى: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»[٢] وذلك مقام وصول العارف إلى الحقّ (ومفصوله) أي عرف مفصوله وهو الدنيا وما فيها بل نفسه.
[تقسيم التوحيد إلى العقلي والشرعي]
اعلم أنّ التوحيد على قسمين: عقلي وشرعي، و التوحيد العقلي هو ما يستقلّ العقل بمعرفته والقطع به بالبراهين العقليّة وهو أنّ واجب الوجود لذاته لا يشاركه شيء في الوجود الذاتي وعينيّة الوجود وصانعيّة العالم، بل ولا كثرة فيه بوجه من الوجوه.
و التوحيد الشرعي هو ما لا يستقلّ العقل بإثباته، بل لا بدّ له من توقيف الشارع وتبليغ النبيّ وهو أنّه لا يشاركه شيء في استحقاق العبوديّة، والمقصد الأقصى من بعث جميع الأنبياء وإرسال جميع الرسل تبليغ هذا المعنى، فقوله عليه السلام: «وأخلص الوحدانيّةَ للَّه» هو التوحيد العقلي، أي جزم بالبراهين القطعيّة بأنّ الوحدانيّة الحقيقيّة الشاملة للواحديّة والأحديّة- من أنّه لا يشاركه شيء في الوجوب الذاتي وعينيّة الوجود وصانعيّة العالم، ومن أنّه لا كثرة فيه بوجه من الوجوه لا من الأجزاء الخارجيّة والذهنيّة، ولا من الذات والوجود والوجوب الذاتي والصفات الحقيقيّة، بل ذاته وجود قائم بذاته، وصفاته عين ذاته- مختصّ به تعالى خالص له جلّ ذكره؛ لأنّ فيما عداه- وإن كان عقلًا مجرّداً عن المادّة في ذاته وفعله- كثرةً باعتبار الذات والوجود الزائد على ذاته، وباعتبار الإمكان الذاتي والوجوب بالغير، بل
[١]. الأعراف( ٧): ٤٦.
[٢]. البقرة( ٢): ١٥٦.