الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٨٣ - (كتاب العقل والجهل)
عزّ وجلّ خلق العقلَ- وهو أوّلُ خَلْق من الروحانيّين- عن يمين العرش من نوره،
أقول: لعلّ المراد بالعقل هاهنا المعنى الثاني، أي النفس الناطقة الإنسانيّة، وبالجهل- الذي ضدّه في الاقتضاء- هو القوّة الشهويّة والغضبيّة الحيوانيّة والوهم، كما مرّ في شرح الحديث الأوّل.
وقوله عليه السلام: (وهو أوّل خلق من الروحانيّين) أي أوّل مخلوق من الروحانيّين الذين ليسوا بجسم ولا جسماني في هذا العالم، أي عالم العناصر، وكونه فيه باعتبار أنّ متعلّقه كائن فيه في غاية الظهور.
والمراد بالأوّليّة التقدّم بالرتبة وبالشرف، ولا يبعد أن يؤخذ بالزمان أيضاً، بناءً على أن تكون النفوس مخلوقة قبل حدوث الأبدان، كما يظهر من الأحاديث؛ يعني هو أعلى وأشرف بل أسبق زماناً من سائر الروحانيّين الذين في هذا العالم كنفوس الجانّ، فإنّها أيضاً مجرّدة عن المادّة في ذواتها، وإلّا لم يكّن مدركة للكلّي، فلم يصحّ تكليفهم، كما لا يخفى على من له بصيرة.
أو معناه: أنّه هو أوّل خلق عالم العناصر، أي أعلى وأشرف خلق هذا العالم، فالتنوين عوض من المضاف إليه، وكونه منه باعتبار أنّ متعلّقه منه، وحينئذٍ فقوله: «من الروحانيّين» عطف على قوله: «أوّل خلق» بتقدير العاطف، أي وهو من الروحانيّين.
والروحاني- بضمّ الراء- مشتقّ من الروح بضمّها بزيادة الألف والنون نسبةً إلى الملك، وبفتح الراء بمعنى الطيب، وعلى التقديرين المراد بالروحانيين هاهنا المجرّدات.
وقوله عليه السلام: (عن يمين العرش) أي عن سنخ يمين العرش ومن قبيله وهو نفسه المجرّدة، وحينئذٍ يساره نفسه المنطبعة. ولا يخفى لطف التعبير عن الاولى باليمين، وعن الثانية باليسار.
وقوله عليه السلام: (من نوره) أي كائن وموجود من نوره؛ لأنّه مسبّب عن نوره، مشروط[١] به، فقال له: أدبِرْ فأدبَرَ؛ ثمّ قال له: أقبِلْ فأقبَلَ؛ فقال اللَّه تبارك وتعالى: خلقتُكَ خلْقاً عظيماً،
[١]. في النسخة:« مشروطة».