الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٨٤ - (كتاب العقل والجهل)
وكرّمتُكَ على جميع خلقي». قال: «ثمّ خلَق الجهلَ من البحر الأُجاج
وهو العقل بالمعنى الأوّل الذي هو الجوهر المجرّد عن المادّة في ذاته وفعله، ويعبّر عنه بلسان الشرع بالملك، ووجه التعبير[١] عنه بنوره أنّه سبب وشرط لظهور الأشياء وصدورها عنه تعالى، كما أنّ ضوء الشمس ونوره مثلًا شرط لإبصار المبصرات، وظهورها عند الحسّ.
ويحتمل أن يكون المراد أنّه خلقه من عالم نوره، أي من عالم الملائكة والعقول المقدّسة، باعتبار تجرّده الذاتي وإدراك المعقولات واقتضاء الخيرات وإن كان مبايناً لهم باعتبارات اخر كالتعلّق بالبدن[٢] وغير ذلك.
ويحتمل أن يكون المراد أنّه خلقه من نور معرفته كنايةً من أنّه خلقه قابلًا لنيل معرفته، وللتميز بين الحقّ والباطل، أو خلقه من نور هدايته كنايةً من أنّه جعله قابلًا للهداية، أو جعله آلةً لهداية صاحبه يهدي اللَّه به من يشاء، كما جعل الجهل آلة لضلالة صاحبه، ويضلّ به من يشاء.
وهذا الوجه الأخير بناء على أن يكون المراد بالعقل المعنى الثالثَ منه، أي صفةالنفس من القوّة النطقيّة لا نفسها كما سيجيء، وبالجهل عدم تمكّن النفس من استعمالها كما ينبغي إمّا للعوائق الطبيعيّة، أو لغلبة أضدادها من الوهم وقوّتَي[٣]: الشهويّة والغضبيّة، وعلى هذا فإجراء الأوصاف السابقة على تلك القوّة على سبيل التوسّع باعتبار اتّصاف محلّها وملزومها بها.
وقوله عليه السلام: (فقال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فأقبل) قد مضى شرحه مستوفى، وفي الحديث الأوّل عكس هذا الترتيب ولا ضير فيه، كما لا يخفى على المتأمّل.
وقوله تعالى: (وكرّمتك على جميع خلقي) أي جميع خلقي في هذا العالم.
وقوله عليه السلام: (ثمّ جعل الجهل من البحر الاجاج) قد مرّ معنى الجهل آنفاً.
ظلمانيّاً، فقال له: أدبِرْ فأدبَرَ؛ ثمّ قال له: أقبِلْ فلم يُقْبِلْ، فقالَ له: استكبرتَ، فلَعَنَهُ، ثمّ جعل
[١]. يمكن أن تقرأ:« التغيير».
[٢]. في النسخة:« بالبدل».
[٣]. في النسخة:« القوّتي».