الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٥١ - (كتاب العقل والجهل)
«إلّا هو» أي إلّااللَّه، فمرجع ضمير «هو» اللَّه المستفاد من «إله واحد» وهو عَلَم للذات المستجمع لجميع صفات الكمال، وليس ذلك إلّاواجب الوجود بالذات وهو واحد، الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
فيستحقّ العبوديّة مطلقاً، سواء كان لكم ولغيركم، واحد.
فكأنّه دليل على ما يعمّ من المدّعى، وصورته: إنّ كلّ ما يستحقّ العبوديّة هو الواجب بالذات، وذلك ضروري لجميع الأديان؛ لاتّفاق كلّ الأنبياء عليهم السلام وجميع الكتب السماويّة على أنّه لا يستحقّ العبوديّة إلّاالذات المستجمع لجميع صفات الكمال الذي هو مدلول لاسم اللَّه، ونقص الإمكان الذاتي وكماليّة الوجوب بالذات ممّا يشهد عليهما البديهة، فانحصار استحقاق العبوديّة للواجب بالذات ممّا علم بالضرورة من جميع الأديان، ولا شيء من الواجب بالذات بمتعدّد بوجه من الوجوه، كما يدلّ عليه البراهين العقليّة، فلا شيء من المستحقّ للعبوديّة بمتعدّد بوجه من الوجوه.
فأحسِن تدبّره؛ فإنّه[١] ذلك ممّا ألهمني اللَّه تعالى بحسن توفيقه به في تفسير هذا الكلام، واللَّه الموفِّق للمرام.
وقوله تعالى: «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ»[٢] خبران لمبتدأ محذوف، أي هو الرحمان الرحيم.
ويحتمل أن يكونا خبرين آخَرين لقوله تعالى: «إِلهُكُمْ»، وهما اسمان بنيا للمبالغة من رحم كالغضبان من غضب، والعليم من علم.
والرحمان[٣] أبلغ من الرحيم؛ لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى كما في قطع وقطّع، وكبار وكبّار، وتلك الأبلغيّة إنّما تؤخذ تارة باعتبار الكمّيّة، والاخرى باعتبار الكيفيّة، فعلى الأوّل قيل: يا رحمان الدنيا؛ لأنّه يعمّ المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة؛ لأنّه مختصّ بالمؤمنين، فكمّيّة المرحومين في الدنيا أكثر من كمّيّتهم في الآخرة، وعلى الثاني قيل: يا رحمان الدنيا والآخرة؛ لأنّ كلّ نعم الآخرة وبعض نعم الدنيا جسام، ورحيم الدنيا باعتبار بعض النعم الحقيرة الدنيويّة، فكيفيّة الرحمة في الأوّل أشدّ من الثاني.
وإنّما قدّم- والقياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى- لتقدّم رحمة الدنيا، ولأنّه
[١]. كذا.
[٢]. تتمّة الآية السابقة.
[٣]. في النسخة:+« والرحمان».