الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٥٠ - (كتاب العقل والجهل)
يا هشام، إنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أكمَلَ للناس الحُجَجَ بالعقول، ونَصَرَ النبيّين بالبيان، ودَلَّهم على ربوبيّته بالأدلّةِ، فقالَ: «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
السليمةِ عن معارضة الوهم والعادة.
وفي ذلك دلالة على أنّ الهداية تحصل بفعل اللَّه وقبول النفس لها؛ فأحسِن تدبّره.
وقوله عليه السلام: (أكمل للناس الحجج بالعقول) أي أقام للناس الدلائل والبراهين القاطعة على المعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة بسبب وجود العقول الكاملة؛ لأنّه لو لم تكن العقول الكاملة السليمة عن المعارضات الوهميّة والتسويلات الشيطانيّة والمناقضات الطبيعيّة، لم يهتد أحد إلى الحقّ.
وقوله عليه السلام: (ونصر النبيين بالبيان) أي ببيان الحقّ وإظهاره وإثباته لكلّ طبقة على وفق رتبتهم وفهمهم على وجوه مختلفة بحيث لا يبقى في قلب أحد شكّ ولا ريب، ولا ينكرهم إلّا بلسانهم لأجل أهوائهم، ولولا ذلك لزم إقحام الأنبياء عليهم السلام.
وقوله عليه السلام: (ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة) أي دلّ العقلاء على خالقيّته وموجديّته لكلّ شيء بالأدلّة الإنّيّة، فإنّ كلّ شيء في نظر اللبيب برهان واضح على وجود صانع العالم، بل على وحدته وعلمه وقدرته وسائر صفاته أيضاً، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ»[١] أي المستحقّ لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له، لا في استحقاق العبادة، ولا في وجوب الوجود الذاتي، ولا في صفاته ووحدته الحقيقيّة.
وقوله تعالى: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ»[٢] استيناف لبيان الوحدة، وتعميم، بعد التخصيص؛ إزاحةً لما يتوهّم من جواز أن يكون إله غيركم- أي المستحقّ لعبوديّة غيركم- متعدّداً، فبيّنه بأنّه لا شيء من المستحقّ للعبادة مطلقاً- سواء كان لكم ولغيركم- غير ضروري العدم، أي الممكن الوجود بالإمكان العامّ.
[١]. البقرة( ٢): ١٦٣.
[٢]. تتمّة الآية السابقة.