الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٤٢ - باب السعادة والشقاء
٢. عليُّ بن محمّد، رَفَعَه، عن شعيب العَقَرْقوفيِّ، عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد اللَّه عليه السلام جالساً وقد سَألَه سائلٌ، فقال: جُعلتُ فداك يا ابن رسولِ اللَّه من أين لَحِقَ الشقاءُ أهلَالمعصية حتّى حَكَمَ اللَّه لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام:
«أيُّها السائلُ حُكْمُ اللَّه- عزّ وجلّ- لا يَقومُ له أحَدٌ من خلقه بحقّه، فلمّا حَكَمَ بذلك
وأبغض نفسه؛ لما تصير إليه من الكفر وسوء خاتمته (فإذا أحبّ اللَّه شيئاً) وجعل الجنّة مثواه (لم يبغضه أبداً) ولم يجعله مخلّداً في النار بالضرورة، أو لم يعذّبه بفضله تعالى أصلًا (وإذا أبغض شيئاً) وجعله مخلّداً في النار (لم يحبّه أبداً) ولم يدخله الجنّة بالضرورة.
ومن هذا ظهر معنى الحديث المشهور عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «السعيد من سعد في بطن امّه، والشقيّ من شقي في بطن امّه»[١]، هذا.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «خلق السعادة والشقاء قبل أن يخلق خلقه» أنّه تعالى علم بسعادة السعيد وشقاوة الشقيّ في الأزل قبل أن يخلق خلقه، عبّر عن العلم بلفظ الخلق مجازاً، فحينئذٍ معنى قوله: (فمن خلقه اللَّه سعيداً) من علمه اللَّه سعيداً.
ويحتمل أن يكون معناه كتب سعادة السعيد وشقاوة الشقيّ في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق خلقه، فعبّر عن الوجود في الكتابة بالخلق، فمعنى قوله: «من خلقه اللَّه سعيداً» من كتبه اللَّه سعيداً؛ فتدبّر.
قوله: (من أين لحق الشقاء أهل المعصية)
«من» هذه للتعليل نحو قوله تعالى: «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا»[٢] أي بأيّ سبب لحق الشقاء أهل المعصية والذين خاتمتهم بالسوء (حتّى حكم اللَّه تعالى لهم في علمه) الأزلي (بالعذاب على عملهم) وحتم ووجب لهم العذاب في علمه كما يجيء في روايات كثيرة منها ما في باب طينة المؤمن والكافر أنّه قال تعالى فيهم: (هؤلاء للنار ولا ابالي).
وفي قوله عليه السلام: (أيّها السائل) تعنيف وإشارة إلى تجاسره بالسؤال عمّا لا يجوز السؤال
[١]. الكافي، ج ٨، ص ٨١، ح ٣٩؛ التوحيد، ص ٣٥٦، باب ٥٨، ح ٣؛ كتاب الزهد، ص ١٤، ح ٢٨؛ بحار الأنوار، ج ٥، ص ٩، ح ١٣؛ وص ١٥٧، ح ١٠؛ كنز العمّال، ج ١، ص ١٠٧، ح ٤٩١؛ وج ٨، ص ٤٦٧، ح ٢٣٦٩٠.
[٢]. نوح( ٧١): ٢٥.