الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٧٨ - كتاب فضل العلم
فمن اقتصر من الدنيا على ما أحَلَّ اللَّهُ له سَلِمَ، ومن تناوَلَها من غير حِلّها هَلَكَ، إلّا أن يَتوبَ أو يُراجِعَ، ومن أخَذَ العلمَ من أهله وعَمِلَ بعلمه نجا، ومن أرادَ به الدنيا فهي حَظُّهُ».
عليهما بإفراط الشهوة في الطعام وشدّة الحرص عليه، واستعمل اللفظ الموضوع له فيهما.
والمراد بطالب الدنيا طالبها لحبّها وللتوسّع والترفّع والثروة لا لأجل رفع الحاجة بقدر الكفاية. والمراد بطالب العلم هاهنا طالبه للمباهاة والتوسّع فيه والجامعيّة والغلبة والرئاسة، وكلّ ذلك يرجع إلى نيل الدنيا لا لتحقيق الحقّ والعمل به ونيل السعادة الاخرويّة، فهذان لا يشبعان ولا ينتهي أمرهما إلى حدّ تزول شهوتهما في الزيادة؛ لأنّه لا نهاية للعلم، وكذا للدنيا بالنسبة إلى طالبها.
وقوله: (فمن اقتصر من الدنيا) إلى قوله: (ومن أخذ العلم) تفصيل لحال مطلق طالب الدنيا، سواء كان طالبها لنفسها وللُامور المذكورة آنفاً وهو الذي لا يشبع، أو لأجل كفاية الحاجة يعني من اقتصر من الدنيا المطلوبة له (على ما أحلّ اللَّهُ له) وكفّ عمّا حرّمه عليه- وهو القسم الثاني- (سَلِمَ) عن العقاب الاخروي وعمّا يقتضيه النَهَم من التعب والنَصَب الدنيوي لتحصيلها في جميع الأوقات (ومَن تناوَلَها من غير حِلّها) كما هو شأن النهم فيها (هلك) بالعقاب الاخروي والنصب الدنيوي (إلّا أن يتوب) في حقّ اللَّه وفي حقّ الناس الذي لم يكن شيء من الحقّ وصاحبه معلوماً بوجه من الوجوه (أو يُراجِعَ) ويردّ المال بعينه إذا كان باقياً، أو مثله أو قيمته إن لم يكن باقياً إلى صاحبه إذا كان معلوماً؛ فإنّ بحت التوبة في هذه الصورة لم ينجح.
وقيل: يحتمل أن يكون قوله: «يتوب أو يراجع» شكّاً من الراوي.[١] وهذا بناء على أنّه حمل التوبة على التوبة بشروطها، ولا شكّ في أنّه يحصل بها النجاة لكلّ من يتوب، وحينئذٍ فيكون «يراجع» بمعنى «يتوب» والترديد من الراوي بحسب اختلاف اللفظ، وعلى هذا
[١]. القائل به السيّد أحمد العلوي في الحاشية على الكافي، ص ١٦٨، و نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ١، ص ١٤٨ بعنوان« ربّما يقال».