الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٤٩ - المسلك الثالث في الاستدلال بحدوث الحوادث على وجوده تعالى
يُعرف ذاته، فخلق الخلق ليُعرف على ما دلّ عليه الحديث القدسي وهو قوله تعالى: كُنْتُ كَنْزاً مَخْفِيّاً فَأَحْبَبْتُ أَنْ اعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِاعْرَفَ[١]. انتهى.
ولا يمتنع أن يكون تلك الأفعالُ- التي فعلها لأجل ذاته المقدّسة بالقصد الأوّل وبالذات- معلّلة بامور اخرى بالقصد الثاني وبالتبع، وذلك كما إذا أراد أحد منّا أن يسافر إلى بلد ليحصّل العلم، ولا يمكن له الوصول إلى ذلك البلد إلّابمركوب فاشترى للوصول إليه مركوباً يوصله إليه، فيكون اشتراء ذلك المركوب معلّلةً أوّلًا وبالذات بتحصيل العلم وهو الباعث على ذلك حقيقة، ومعلّلةً ثانياً وبالتبع بالوصول إلى البلد، وحينئذٍ لو قيل: إنّ اشتراء هذا المركوب لأجل تحصيل العلم لصحّ، ولو قيل: لأجل الوصول إلى البلد لصحّ، كلّ بوجه وجيه.
فعلى هذا لا يبعد أن يقال: إنّ الواجب الحقّ- تعالى شأنه- أوجد العالم بتمامه لأجل ذاته المقدّسة بأحد الوجهين المذكورين، ولمّا لم يكن انتظام العالم ونظامه إلّاعلى هذا النحو الواقع من إيجاد كلّ واحد من أجزائه على وجه خاصّ ونحو مخصوص، أوجد كلّ واحد منها لا محالة على هذا الوجه الواقع هو عليه لأجل مصالح العالم ومنافعه، فما هو الباعث
[١]. ورد الحديث مرسلًا في بعض كتب العرفان والتصوّف والفلسفة مثل: جامع الأسرار، ص ١٠٢ و ١٤٤ و ١٥٩ و ١٦٢ و ٦٠١؛ الحكمة المتعالية لصدر المتألّهين، ج ٢، ص ٢٨٥ وج ٦، ص ٣٠١، وفي عدّة من شروح فصوص الحكم، وفي مواضع من مصباح الانس؛ وأورده المجلسي الأوّل في بعض آثاره. وأورده الرازي في تفسيره، ج ٢٨، ص ٢٣٤. وورد في التفسير المنسوب لابن عربي، ج ٢، ص ١٢٣. وأورده النراقي في جامع السعادات، ج ١، ص ٩٩ و ١١٠؛ والنوري في نفس الرحمان، ص ٢٣٧؛ والبرسي في مشارق أنوار اليقين، ص ٣٩.
وقال العجلوني في كشف الخفاء، ج ٢، ص ١٣٢، ح ٢٠١٦:« قال ابن تيمية: ليس من كلام النبي- صلّى اللَّه عليه وسلّم- ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف» وتبعه الزركشي والحافظ ابن حجر في اللآلي والسيوطي وغيرهم. وقال القاري:« لكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى:« وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أي ليعرفوني، كما فسّره ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما، والمشهور على الألسنة: كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن اعرف ... وهو واقع كثيراً في كلام الصوفيّة، واعتمدوا وبنوا عليه اصولًا لهم».