الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤١ - (كتاب العقل والجهل)
ثمّ قال: وعزّتي وجلالي، ما خلقتُ خلقاً هو أحبُّ إليَّ منك، ولا أكملتُك إلّافيمن احِبُّ،
وحاصله أنّه جعله بحيث يصحّ أمره ونهيه، أي جعله قابلًا للتكليف بأن جعله ذا قوّة يميّز بها بين مدركاته ومصالح أفعاله ومفاسدها.
وليس المراد حقيقةَ أمرٍ وامتثالٍ، بل تمثيل حصول ما تعلّقت به إرادته بلا مُهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقّف، على سياقة قوله تعالى: «إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[١] يعني إذا تعلّقت إرادته تعالى جدُّه بإيجاد شيء فيوجد بلا تخلّف وتأخير.
وقوله: (ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليَّ منك) أي ما خلقت خلقاً في هذا العالم، يعني عالم الملك، هو أحبّ إليّ منك؛ لأنّه أشرف مخلوقاته فيه كما بيّن في موضعه، فهو أحبّ منها إليه تعالى.
والمحبّة والحبّ ميل القلب، واستعماله في هذا المقام وأمثاله بطريق الاستعارة، شبّه النسبة والرقيقة- التي بينه تعالى وبين خلقه وهي التي يترتّب عليها حفظ المخلوقات وحراستها ورزقها واكالها وغير ذلك من المصالح التي تليق بحالها على اختلاف مراتبها بحسب اختلاف قابليّاتها- بالحبّ، وعبّر عنها بهذا اللفظ.
ولمّا كانت الآثار المرتّبة على هذه النسبة للمكلّفين من خلق هذا العالم أكثر؛ لزيادة أمرهم بمصالح معاشهم ومعادهم، وقربهم إلى الحقّ تعالى شأنه، ونهيهم عمّا يضرّهم في تلك الامور بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الآيات والحجج، فكانت تلك النسبة بالنظر إليهم أتمّ، عبّر عنها بقوله: «أحبّ»
ومن هذا ظهر سرّ قوله: (ولا أكملتك إلّافيمن احبّ)؛ لأنّه كلّما كانت النفس أكمل- سواء كانت أكمليّتها بحسب الفطرة، أو بحسب الكسب، أو بهما معاً- كان استعدادها للتكليف أكثر، فزاد تكليف صاحبها كمّاً وكيفاً، كما في صاحب النفس القدسيّة، فهو حبيبه بل أحبّ إليه جلّ ذكره.
[١]. يس( ٣٦): ٨٢.