الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٣ - (كتاب العقل والجهل)
٢. عليُّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن مفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نُباتةَ، عن عليّ عليه السلام، قال: «هبط جبرئيلُ على آدمَ عليه السلام، فقال: يا آدمُ، إنّي امرتُ أن اخيِّرَك واحدةً من ثلاثٍ، فاختَرْها ودَع اثنتين، فقال له آدمُ:
يا جبرئيلُ، وما الثلاث؟ فقال: العقلُ والحياءُ والدينُ، فقالَ آدمُ: إنّي قد اخترتُ العقلَ، فقالَ جبرئيلُ للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا: يا جبرئيل، إنّا امرنا أن نكونَ مع العقل حيث
وقوله: «استنطقه» أي جعله دالًاّ لصاحبه إلى امور فيها الرشد، سواء كانت متعلّقة بالمعاش أم بالمعاد، فكأنّه ناطق.
وقوله: «ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر» استعارة تمثيليّة، والمقصود أنّه جعله بحيث يكون سبباً لأن يكون صاحبه قابلًا للتكليف، ومستعدّاً لأن يكون مأموراً ومنهيّاً، وكونه أحبّ باعتبار كونه سبباً للتكليف وإصلاح حالِ من هو أحبّ عنده.
وقوله: «أما إنّي» إلخ، أي جعلتك المناط للتكليف، فكأنّه هو المأمور والمنهيّ، والمعاقب والمثاب، وهذا الجهل الأخير بعضه مأخوذ من كلام بعض الأفاضل المعاصرين، و لوهن ما ذكره غيّرناه وأصلحناه كذلك؛ واللَّه الموفِّق.
قوله: (فقال: العقل والحياء والدين).
المراد بالعقل هاهنا القسم الثالث من المعنى السادس، أي كمال القوّة النطقيّة بحسب الكسب باعتبار قوّتي: النظريّة والعمليّة معاً؛ لأنّ تكميل القوّة النظريّة بحسب الفطرة ليس باختيار العبد في هذا العالم الجسماني، سواء لم يكن باختياره أصلًا، أو كان باختياره في عالم تكليف الأرواح، كما جوّزه بعض الأعلام، والمقصود توفيق اكتساب ذلك الكمال، والحياءُ صفة ينبعث عنها ترك القبيح عقلًا؛ مخافة الذمّ.
واشتقاقه من الحَيْوَة؛ فإنّه انكسار يعتري القوّة الحيوانيّة من الشهويّة والغضبيّة، فيردّها عن أفعالها.
والمراد بالدين التصديق بما يجب التصديق به، والعمل بالشرائع والنواميس الإلهيّه. ولا شكّ في أنّ الحياء والدين تابعان، بل لازمان للعقل الكامل بحسب الكسب، ولذلك قالا بلسان الحال: إنّا امرنا أن نكون مع العقل حيث كان.