الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٢ - (كتاب العقل والجهل)
أما إنّي إيّاك آمُرُ، وإيّاك أنهى وإيّاك اعاقبُ، وإيّاك اثيبُ».
وقوله: (أما إنّي إيّاك آمر) أي لمّا جعلتك قابلًا للتكليف أجعلك مكلّفاً مأموراً ومنهياً لاستكمالك، ومعاقباً إن عصيت، ومثاباً إن أطعت؛ لئلّا تتهاون في نيل كمالك؛ هذا.
ويحتمل أن يكون المراد بالإقبال الإقبالَ إلى عالم الملك بتعلّقه بالبدن؛ لاستكمال القوّة النظريّة بحصول العقل بالفعل، واستعمال القوّة العمليّة بالأخلاق والملكات المؤدّية إلى صلاح المعاش والمعاد؛ وبالإدبار الإدبارَ عن هذا العالم وقطع التعلّق عن البدن والرجوع إلى عالم الملكوت[١]، أي جعله متعلّقاً بالبدن؛ لاستكماله بإرادته واختياره، ثمّ قطع علاقته وجعله راجعاً إليه سبحانه، فهذا الإقبال والإدبار محبّة وعناية ولطف منه تعالى على عباده، على أنّه لم يكتف بهذا، بل أمرهم بما يصلح لنشأتيهم، ونهاهم عمّا يضرّهم فيهما، ويعاقبهم على المخالفة، ويعطيهم الثواب بالإطاعة؛ ليبالغوا في اكتساب الكمالات العلميّة والعمليّة، الذي يوجب القرب إلى جَنابه، وهي لطفه وحجّته عليهم؛ واللَّه رؤُوفٌ بالعباد.
ويحتمل أن يكون قوله: «استنطقه» محمولًا على معناه اللغوي، إشارةً إلى ما وقع في يوم الميثاق وإن كان كيفيّته غير معلوم لنا، والمراد بالإقبال الإقبال إلى الحقّ من التصديق بالالوهيّة والتوحيد والعدل وغير ذلك ممّا يجب تصديقه، وبالإدبار الإدبار عن الباطل بأن لا يقولوا على اللَّه بغير علم وأمثاله، وحينئذٍ لا حاجة في الحديث إلى تأويل.[٢]
ويحتمل بعيداً أن يكون المراد بالعقل الصفةَ الداعيةَ لصاحبها إلى الأفعال الحسنة بدون جبر، والناهيةَ- أي الصارفة له- عن الأفعال القبيحة من غير جبر، وهي القوّة النطقيّة التي [هي] مناط التكليف عند ارتفاع الموانع ووجود الرابط كما مرّ[٣]، وقد فسّرها المحقّق الطوسي في التجريد ب «غريزة يلزمها العلم بالضروريّات عند سلامة الآلات».[٤] والتعريف الأوّل من جهة القوّة العمليّة، والثاني من جهة القوّة النظريّة.
[١]. نقلها في مرآة العقول، ج ١، ص ٢٩ بعنوان« ربما يقال».
[٢]. نقلها في مرآة العقول، ج ١، ص ٢٩ بعنوان« قيل».
[٣]. مرّ في ص ٢.
[٤]. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص ٣٣٩، في تفسير العقل.