الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٤٨ - المسلك الثالث في الاستدلال بحدوث الحوادث على وجوده تعالى
قلت: الطبيعة الكلّيّة- كما سلّمت- قوّة سارية حالّة في الأجسام كلّها، وهي على ما صرّحوا به عديمة الشعور، فلا يكون مراعياً[١] لحكمة ومصلحة أصلًا، ولو سلّم أنّها ذو[٢] شعور ضعيف- كما هو الحقّ وصرّح به بعضهم- فلا ريب في أنّها قوّة جسمانيّة لا يمكن أن تكون[٣] عالمة بالكلّيات قطعاً، فكيف يكون مراعياً[٤] لأمثال تلك الحِكَم والمصالح الجزيلة العظيمة التي تقتضي مراعاتها إدراك الكلّيات قطعاً بالضرورة، فمن قال: إنّها فاعلة لصورها المنطبعة لعلّه أراد أنّها واسطةٌ في صدور الصور المنطبعة التي للأجسام العلويّة والسفليّة عن فاعلها، وشرطٌ لصدورها عنها، لا أنّها فاعلة لهم بالحقيقة.
فإن قلت: ملخّص هذا الاستدلال أنّ ملاحظة أجزاء العالم على الوجوه والأنحاء الواقعة يدلّ على أنّها معلّلة بحِكَم ومصالح لا تحصى، فيكون معلولًا ومفعولًا لفاعل فعلها لأجل تلك الحِكَم والمصالح، ومن ذلك يلزم أن يكون أفعال الواجب الحقّ معلّلة بالعلل الغائيّة، والأغراض وهو خلاف ما ذهب إليه أكثر الحكماء والمتكلّمين والصوفيّة، كيف، ولو كان كذلك يلزم استكماله تعالى بالغير، وكون الغير مؤثّراً في ذاته على ما بيّن في موضعه، وكلّ منهما محال.
قلت: غاية ما يلزم من ذلك أن يكون علمه تعالى بتلك الحِكَم والمصالح سبباً لتلك الأفعال، ولا يلزم منه- على ما قال المحقّق الدواني رحمه الله في شرح رباعيّاته- إلّاتوقّف فاعليّته تعالى- التي هي صفته الإضافيّة- على علمه الذي هو صفته الذاتيّة، ولا يلزم منه كونه مستكملًا بالغير، ولا منفعلًا عنه، ومخالفة الجمهور إذا أدّى إليها قاطع البرهان لا محذور فيها.
والأولى عندي أن يقال: العلّة الغائيّة الأوّليّة لأفعاله تعالى إنّما هي ذاته المقدّسة، فإنّه إنّما يفعل ما يفعل لأجل ذاته إمّا لكونه محبّاً لذاته فيحبّ آثاره وأفعاله، وإمّا لأنّه يحبّ أن
[١]. الأولى:« فلا تكون مراعية».
[٢]. في النسخة:« ذي». و لعلّ الأولى:« ذات».
[٣]. في النسخة:« يكون».
[٤]. الأولى:« يكون مراعية».