الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٥٠ - المسلك الثالث في الاستدلال بحدوث الحوادث على وجوده تعالى
حقيقة لإيجاد أجزاء العالم على الوجوه المخصوصة ليس إلّاذاته المقدّسة، وحصول تلك المصالح والمنافع إنّما هو الباعث الثانوي، فهو ما لأجله الفعل ثانياً وبالتبع، فلا يلزم استكماله تعالى بالغير؛ إذ الاستكمال لو لزم فإنّما يلزم بما يكون الفعل لأجله أوّلًا وبالذات، لا بما يكون الفعل ثانياً وبالتبع.
وكذا لا يلزم انفعاله تعالى عن الغير وتأثير الغير في ذاته المقدّسة، فإنّ الباعث والموجب حقيقة وبالذات لفعله إنّما هو ذاته المتعالية لا الغير، والمصلحة إنّما هي موجب وباعث[١] ثانياً وبالتبع، فلا يلزم انفعاله عن الغير حقيقة؛ فاعرف ذلك فإنّه الحقّ الحقيق بالتصديق.
وممّا حقّقناه تبيّن وظهر أنّه لا حاجة إلى تأويل الآيات والأحاديث الصريحة في أنّ بعض أفعاله معلّلة[٢] بالغرض بمجرّد ترتّب ذلك الغرض عليها بدون أن يكون تلك الأفعال لأجله، بل ينبغي أن لا تصرف[٣] عن ظواهرها؛ إذ لا محذور في التزام كون تلك الأفعال لأجل غرض أصلًا كما عرفت، كيف، وإنّا نعلم بالضرورة أنّ إيجاب بعض الحدود والكفّارات على المرتكبين لبعض المنهيّات من اللَّه تعالى ليس إلّالغرض الانزجار عن تلك المعاصي، والمنازعُ مكابرٌ، وكذا نعلم يقيناً عند التأمّل في منافع أعضاء الإنسان بل الحيوان والنبات لأجل تلك المنافع، وكذا لا يشكّ المتدبّر في كيفيّة خلق السماوات والأرض أنّ خلقها على تلك الوجوه المخصوصة الواقعة هي عليها إنّما هي لحِكَم ومصالح لا تعدّ ولا تحصى، ومن أنكر فقد كابر مقتضى عقله، ويلزم من القول بأنّ أفعاله تعالى ليست معلّلة بالأغراض مطلقاً- كما هو مذهب أكثر الأشاعرة- أن لا يكون الواجب الحقّ- تعالى شأنه- حكيماً أصلًا، ولا مستحقّاً للحمد على ما صرّح به بعض المحقّقين من أهل السنّة وهو أبو العبّاس أحمد بن تيميّة في بعض رسائله حيث قال ما ملخّصه:
وأمّا نفاة الحكم والأسباب من مثبتة القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمداً كما لا
[١]. كذا. والأولى:« موجبة وباعثة».
[٢]. كذا. ولعلّ الصواب:« معلّل».
[٣]. في النسخة:« يصرف».