الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٦٢ - الأصل الأوّل
فالحقّ أنّ كلّ عالم يعلم ذاته إذا كان أثراً وفيضاً[١] لغيره فإنّه يتفطّن ويشعر بمفيضه وبما يتعلّق إليه بعلاقة المعلوليّة وإن كان كثيراً ما لا يعلمه بخصوصه متعيّناً متفرّداً متميّزاً عن غيره، وإنّما يشعر ويتوجّه إليه بوجه لا يشخّصه، ولا يعيّنه في ذلك التوجّه والتضرع والتولّع.
فإن قلت: هذا التوجّه متوجّه متصوّر في الإنسان الذي له نفس مجرّدة، فإنّه توجّه بوجهٍ إجمالي إلى شيء غير معلوم بخصوصه، وأمّا في الجسماني العالم بنفسه كأرواح الحيوانات فهذا التوجّه مشكل.
قلنا: أمّا على رأينا من أنّ الحقّ أنّ لكلّ حيوان نفساً مجرّدة والإدراك- سواء كان كلّياً أو جزئياً، مجرّداً أو مادّياً- لا يتمشّى إلّامن المجرّد إلّاأنّه يدرك الجزئيّات المادّيّة بوساطة الآلات وغيرها لا بواسطتها، كما حقّق في موضعه، وذهب إليه بعض المحقّقين فلا إشكال رأساً.
وأمّا بناء عل الأشهر من خلوّ سائر الحيوانات عن النفس المجرّدة فالجواب ما أفاده بعض الأعاظم من أنّه يحتمل أن يتمثّل لذلك الجسماني مثال خيالي يتوهّم أنّ ذلك المثال مبدؤه، وتكون بمثل ذلك المثال في الأجرام السماويّة؛ ولهذا يتوجّه بعض الحيوانات العُجْم في التضرّعات إلى السماوات كما نقل آنفاً، بل الإنسان طبعاً يتوجّه في الدعاء إلى نحو السماء، وكثير من الناس يتوهّم المبدأ جسمانياً بهذا الوجه مع أنّ له قوّة مجرّدة، فما لم يكن له قوّة مجرّدة لا يبعد أن يتوهّم ذلك.
و منها ما قاله بعض المحقّقين وهو أنّ فطرة النفوس تشهد بكونها مقدورة بحسب تسخير الغير وتصرّفه فيه بمقتضى تدبيره، وذلك إلهه وفاعله، قال اللَّه سبحانه: «أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ»[٢] ولهذا بعث الأنبياء عليهم السلام كلّهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا: «لا إله إلّااللَّه» وما امروا ليقولوا: «لنا إله، وللعالم إله» فإنّ ذلك كان مجبولًا في فطرة عقولهم من مبدأ نشأتهم في عنفوان شبابهم؛ ولذلك قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَ
[١]. كذا.
[٢]. إبراهيم( ١٤): ١٠.