الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٣٦ - باب المشيّة و الإرادة
من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، ولم يرد منه خصوص شيء من الطاعة والمعصية، ولم يرد جبره في أفعاله ليصحّ تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، ولا يعلم تلك المصلحة إلّا اللَّه تعالى، وكلّفه بعد ذلك الإقدار بإعلامه بمصالح أفعاله ومفاسده في صورة الأمر والنهي؛ لأنّهما من اللَّه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع، ونهيه عن أكل الغذاء الضارّ، وذلك ليس بأمر ونهي حقيقة، بل إعلام بما هو نافع وضارّ له، فمن صدور الكفر والعصيان عن العبد بإرادته المؤثّرة واستحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالباً عليه تعالى، ولا يلزم عجزه تعالى كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب، ولا عجز طبيب إذا خالفه المريض وهلك، ولا يلزم أن يكون في ملكه أمرٌ[١] لا يكون بمشيّة اللَّه وإرادته، ولا يلزم الظلم في عقابه؛ لأنّ[٢] فعل القبيح بإرادته المؤثّرة، وطبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحقّ فاعله العقاب.
ولمّا كان مع ذلك الإعلام من الأمر والنهي بوساطة الحجج البيّنة اللطف والتوفيق في الخيرات والطاعات من اللَّه جلّ ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند وينسب إليه تعالى؛ لأنّ[٣] مع إقداره وتمكّنه[٤] له وتوفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات ومضارّ تركها والكفّ عنها بأوامره، وما فعله من سيّئة فمن نفسه؛ لأنّه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيّئات ومنافع الكفّ عنها بنواهيه. وهذا من قبيل إطاعة الطبيب ومخالفته، فإنّه من أطاعه وبرئ من المرض يقال له: عالجه الطبيب وجعله[٥] صحيحاً، ومن خالفه
[١]. المثبت من المرآة، وفي النسخة:« أمراً».
[٢]. في المرآة:« لأنّه».
[٣]. في الموضع الأوّل من المرآة:« لأنّه».
[٤]. في المرآة:« تمكينه».
[٥]. في المرآة:« صيّره».