الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٧٦ - (كتاب العقل والجهل)
الحكمةِ مع الدنيا، فلذلك رَبِحَتْ تِجارَتُهُم.
يا هشام، إنَّ العقلاءَ تَرَكوا فضولَ الدنيا، فكيف الذنوب، وتَرْكُ الدنيا من الفَضْلِ، وتَرْكُ الذنوبِ من الفَرْضِ.
يا هشام، إنَّ العاقلَ نَظَرَ إلى الدنيا وإلى أهلِها، فعَلِمَ أنَّها لا تُنالُ إلّابالمشقّة، ونَظَرَ إلى الآخرة، فَعَلِمَ أنّها لا تُنالُ إلّابالمشقّة، فطَلَبَ بالمشقّة أبقاهما.
يا هشام، إنَّ العقلاءَ زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة؛ لأنّهم عَلِموا أنّ
الحكمة (فلذلك ربحت) تجارة العقلاء؛ حيث أعطوا العالي من الدنيا، وأخذوا العالي من الحكمة، فضمير (تجارتهم) راجع إلى العقلاء المستفاد من العاقل الذي هو اسم جنس يطلق على الواحد والكثير.
وقوله عليه السلام: (تركوا فضولَ الدنيا) من المباحات التي لا تضرّ صاحبها (فكيف الذنوب) أي تركهم الذنوبَ- من محظورات الدنيا ومضرّاتها ونحوها- بطريقٍ أولى.
والواو في قوله: (وترك الدنيا من الفضل) للحال، أي ترك فضول الدنيا بل ترك علاقة الدنيا مطلقاً من الامور الفاضلة المستحبّة.
وقوله عليه السلام: (نظر إلى الدنيا وإلى أهلِها) إلخ، لمّا كانت الدنيا في أيدي أهلها، وتحصيلُها غالباً لا يمكن إلّابإخراجها عن أيديهم بوجه من الوجوه بخلاف الآخرة؛ فإنّ نيلها لا يحتاج إلى سلبها من أحد؛ فلهذا قال: «نظر إلى الدنيا وإلى أهلها» وقال: (ونظر إلى الآخرة) ولم يقل:
وإلى أهلها.
وأيضاً العلم بمشقّة تحصيل الدنيا لمن لا يتوجّه إلى تحصيله إنّما يحصل من ملاحظة مشقّة أهل الدنيا في تحصيلها، فبالنظر إلى الدنيا وأهلها معاً يحصل هذا العلم بخلاف العلم بمشقّة تحصيل الآخرة؛ فإنّه لا يحتاج إلى النظر إلى تحصيلها بل معرفة كيفيّة تحصيلها يكفي للعلم بمشقّة نيلها.
وقوله عليه السلام: (أبقاهما) أي الآخرة.
وقوله عليه السلام: (زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة) أي تركوا الدنيا وطلبوا الآخرة.