الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٧٧ - (كتاب العقل والجهل)
الدنيا طالِبةٌ ومطلوبَةٌ، والآخِرَةَ طالبةٌ ومطلوبةٌ، فمن طَلَبَ الآخرة، طَلَبَتْه الدنيا حتّى يَستَوفيَ منها رزقَه، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ، فيأتيه الموتُ، فيُفْسِدُ عليه دنياهُ وآخرتَهُ.
يا هشام، من أرادَ الغِنى بلا مالٍ، وراحة القلبِ من الحَسَد، والسلامةَ في الدين، فَلْيتضرَّعْ إلى اللَّه عزّ وجلّ في مسألته بأن يُكَمِّلَ عقلَه، فمن عَقَلَ قَنِعَ بما يكفيه، ومن قَنِعَ بما يكفيه استغنى، ومن لم يَقْنَعْ بما يكفيه لم يُدْرِك الغنى أبداً.
يا هشام، إنّ اللَّهَ حكى عن قومٍ صالحينَ أنّهم قالوا: «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» حين علموا أنّ القلوبَ تَزيغُ وتَعودُ إلى عماها
وقوله عليه السلام: (الدنيا طالبة ومطلوبة) أي طالبة لتاركها؛ لإيفاء رزقه، ومطلوبة لطالبها والراغب فيها.
وقوله عليه السلام: (والآخرة طالبة ومطلوبة) أي طالبة لتاركها؛ والزاهد فيها لقبض روحه، ومطلوبة لطالبها والراغب فيها، ويتبيّن ذلك من قوله عليه السلام: (فمن طلب الآخرة) إلخ.
وقوله عليه السلام: (فيفسد عليه دنياه وآخرته) لخروج الدنيا عن يديه وعدم دخول الآخرة فيهما
وقوله عليه السلام: (فمن عقل) أي عقل عن اللَّه وقد عرفت[١] معناه (قنع بما يكفيه) ولم يطلب الفضول فصُيّر غنيّاً بلا مال (ومن قنع بما يكفيه استغنى) عن الناس، فلا يحسد أحداً، وفيه سلامة الدين (ومَن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً) لأنّ كلّما حصل له فضل من فضول الدنيا يتمنّى آخَرَ، وهكذا لا ينتهي إلى حدّ.
وقوله تعالى: «لا تُزِغْ قُلُوبَنا»[٢] أي لا تُمل قلوبنا عن الحقّ، يقال: زاغ عن الطريق، إذا مال وعدل عنه.
وقوله عليه السلام: (أنّ القلوب) أي بعض القلوب؛ لأنّ المهملة في قوّة الجزئيّة (تَزيغُ) أي تميل عن الحقّ (وتَعود[٣] إلى عماها) عنه بزوال بصيرتها.
ورَداها.
[١]. عرفت في نفس الحديث.
[٢]. آل عمران( ٣): ٨.
[٣]. في النسخة:« يعود».