الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٧٣ - (كتاب العقل والجهل)
والأنبياء والأئمّةُ عليهم السلام، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ.
يا هشام، إنّ العاقلَ الذي لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه، ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه.
يا هشام، مَن سلّطَ ثلاثاً على ثلاثٍ فكأنّما أعانَ على هَدْم عقله: من أظلم نورَ تفكّره بطول أمله، ومحا طرائفَ حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نورَ عِبْرته بشهوات نفسه، فكأنّما أعانَ هواهُ على هَدْم عقلِه، ومن هَدَمَ عقْلَه أفسَدَ عليه دينه ودنياه.
وقوله عليه السلام: (وأمّا الباطنة فالعقول) المراد بالعقل هاهنا العقل بالمعنى الثالث، أي القوّة النطقيّة؛ لأنّ وجود العقل- الذي يتميّز به بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح مع وجود الدلائل والبراهين على الحقّ- يكفي حجّةً على المنكرين له.
وقوله عليه السلام: (لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه) أي الحلال لا يشغله عن الشكر بأقسامه، ولا يوجب غفوله عنه، وفيه إشارة إلى أنّ الشكر إنّما يكون بإزاء الحلال لا بإزاء الحرام.
وقوله عليه السلام: (ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه) بأن يتصرّف فيه، ولا يصبر عنه.
وقوله عليه السلام: (فكأنّما أعان) هواه.
وقوله عليه السلام: (مَن أظلم نورَ تفكّره بطول أمله) أي سلّط طول أمله على نور تفكّره بأن جعل طول الأمل مانعاً عن التفكّر بأن قال في نفسه: أتفكّر في هذا المطلب غداً أو شهرَ كذا مثلًا وهكذا، أو جعل مقتضى طول الأمل ماحياً لمقتضى فكره الصائب.
وقوله عليه السلام: (ومحا طرائفَ حكمته) أي كلماته المشتملة على الحكمة (بفضول كلامه) فإنّ كثرة الكلام يوجب صدور الهفوات وما لا طائل تحته عن الإنسان.
والعبرة الاسم من الاعتبار، أي الاتّعاظ واستنباط عاقبة الأشياء.
وقوله عليه السلام: (بشهوات نفسه) بالإتيان بمشتهيات نفسه.
وقوله عليه السلام: (أفسد عليه) أي على نفسه دينه ودنياه؛ لما مرّ من قوله: (أكملهم عقلًا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة).