الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٧٥ - (كتاب العقل والجهل)
بالتعلّم، والتعلُّمُ بالعقل يُعْتَقَدُ، ولا عِلْمَ إلّامن عالِمٍ ربّانيٍّ، ومعرفةُ العلمِ بالعقلِ.
يا هشام، قليلُ العملِ من العالم مقبولٌ مُضاعَفٌ، وكثيرُ العملِ من أهل الهوى والجهلِ مَردودٌ.
يا هشام، إنَّ العاقلَ رَضِيَ بالدون من الدنيا مع الحكمةِ، ولم يَرْضَ بالدون من
اللَّه في أوامره ونواهيه، وتلك الطاعة لا تحصل[١] إلّابالعلم بهما، والعلم بهما لا يحصل إلّا بالتعلّم (والتعلّمُ يُعْتَقَلُ) أي يشدّ ويربط (بالعقل) يعني التعلّمُ لا يحصل إلّابالعقل بالمعنى الثالث.
وقوله عليه السلام: (ولا علم) أي لا يحصل العلم، ولا يمكن التعلّم (إلّا من عالم ربّانيّ) أي من المعلّم الذي يعلم جميع أوامر اللَّه ونواهيه من اللَّه تعالى كالأنبياء والرسل والأئمّة صلوات اللَّه عليهم بالوحي أو التحدّث.
والربّاني نسبة إلى الربّ بزيادة الألف والنون.
وقوله عليه السلام: (ومعرفةُ العلم بالعقل) يحتمل أن يكون معناه: أنّ معرفة العالم بأحكام اللَّه تعالى بالعلم اليقيني من غيره بالعقل؛ فإنّ بالعقل يعرف ويتميّز الأنبياء والأئمّة عليهم السلام عن المتنبّئين وأئمّة الضلالة وغيرهم، كما سيجيء في الحديث من أنّ العقل يعرف به الصادق على اللَّه فيصدّقه، والكاذب على اللَّه فيكذّبه[٢]، فيكون العلم بمعنى العالم من باب المبالغة كقوله: زيد عدل.
ويحتمل أن يكون معناه: أنّ العقل هو المميّز الفارق بين العلم اليقيني وما يشبهه من الدعاوي الكاذبة، والأوهام الفاسدة، أو من الظنّ والجهل المركّب والتقليد.
وقوله عليه السلام: (إنّ العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة) إلخ، أي رضي بالدنيء من الدنيا مع وجود الحكمة؛ يعني رجّح الحكمة على أعلى مراتب الدنيا، ومع وجود الحكمة اكتفى من الدنيا بأقلّ ما لا بدّ منه من المأكل والملبس ونحوهما من غير عكس، فإنّ مع وجود أقصى مراتب الدنيا لم يكتف بالدنيء والقليل من الحكمة، بل ترك الدنيا لنيل
[١]. في النسخة:« لا يحصل».
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٢٥، ح ٢٠.