الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٣ - (كتاب العقل والجهل)
يا هشام، ثمّ ذمّ اللَّه الكثرة فقال: «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» وقال: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» وقال: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ».
يا هشام، ثمّ مدح القلّة فقال: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ»
«وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»[١] أي عن شرعه في الاصول والفروع، وقال في سورة لقمان: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»[٢] لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطرّهم إلى إذعانه، وقوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ»[٣] أي على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، والذي في سورة لقمان: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ»[٤] أي لا يعلمون أنّ ذلك القول منهم يلزمهم، فقوله: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» نقل بالمعنى إشارةً إلى ما مرّ من استلزام العقل الكامل العلم، فانتفاء العلم- الذي هو اللازم- مستلزم لانتفاء العقل الذي هو الملزوم، وقوله عليه السلام: (وقال) أي في سورة العنكبوت: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ»[٥] الآية، وتفسيره يظهر ممّا مرّ.
وأمّا دليل الثاني، فهو أنّ اللَّه تعالى مدح القليل، فالمراد بالقلّة في قوله عليه السلام: (ثمّ مدح القلّة) القليل، ولمّا كان ما هو ذمّ للكثرة بحسب المنطوق مدحاً[٦] للقلّة بحسب المفهوم وبالعكس، فللإشارة إلى هذا وسطَ ما هو منطوقه مدح القلّة فيما هو منطوقه ذمّ الكثرة.
وقوله عليه السلام: (فقال) أي في سورة سبأ: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ»[٧] وهو المتوفّر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي حقّه؛ لأنّ توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكراً آخر لا إلى نهاية؛ ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.
[١]. الأنعام( ٦): ١٤٤.
[٢]. لقمان( ٣١): ٢٥.
[٣]. تتمّة الآية السابقة.
[٤]. تتمّة الآية السابقة.
[٥]. العنكبوت( ٢٩): ٦١.
[٦]. في النسخة:« مدح».
[٧]. سبأ( ٣٤): ١٣.