الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٢ - (كتاب العقل والجهل)
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» وقال: «وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ».
بأسهم إذا حارب بعضهم بعضاً، بل لقذف اللَّه تعالى الرعب في قلوبهم «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً»[١] أي مجتمعين متّفقين « «وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى»[٢]» أي متفرّقة لا يتّبع بعضهم رأي بعض؛ لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم، «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ»[٣] ما فيه صلاحهم من اتّفاقهم واتّباعهم لرئيس عاقل مطاع يجتمع به الكلمة، ويرتفع به الشتات، ومن المجرّب أنّ السفيه المطاع أنظم للتمدّن من عاقل لا يطاع، بل هم مُعجَبون برأي أنفسهم، وذلك يوجب الشتات، ويخلّ بنظم التمدّن والتعيّش.
وقوله عليه السلام: (وقال) أي في سورة البقرة، وقوله تعالى: «وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ»[٤] أي تتركونها من البرّ كالمنسيّات «وَ أَنْتُمْ»[٥] يا بني إسرائيل «تَتْلُونَ الْكِتابَ»[٦] أي التوراة، وفيها بيان الحقّ، فأنتم تعلمون الحقّ، فلِمَ لا تعملون؟ «أَ فَلا تَعْقِلُونَ»[٧] أي ليس لكم عقل كامل؛ لترككم الثواب الباقي؛ لأجل الحطام الفاني، والاستفهام تقريري.
ولمّا يتوهّم هاهنا أنّه لمّا تبيّن من الآيات السابقة أنّ العقلاء- أي الكاملين منهم- يتّبعون الحقّ، فإذا ذهب أكثر الناس إلى مذهب، فيكون ذلك المذهب حقّاً؛ لوجود العقلاء فيهم، ومن ذلك يلزم بطلان ما ذهب إليه الأقلّ كالفرقة الإماميّة مثلًا، فدفع عليه السلام هذا الوهم بقوله:
«ثمّ ذمّ اللَّه الكثرة» إلخ، والمراد بالكثرة الكثير؛ إطلاقاً للمبدأ وإرادةً للمشتقّ.[٨]
و حاصله أنّ وجود العقلاء الكاملين في أكثر الناس غير لازم حتّى يلزم حقّيّة مذهب الأكثر، وبطلان مذهب الأقلّ، بل أكثر الناس لا يعقلون، وقليلهم يعقلون.
أمّا دليل الأوّل، فهو أنّ اللَّه تعالى ذمّ الأكثر فقال في سورة الأنعام خطاباً إلى النبيّ عليه السلام:
[١]. تتمّة الآية السابقة.
[٢]. تتمّة الآية السابقة.
[٣]. تتمّة الآية السابقة.
[٤]. البقرة( ٢): ٤٤.
[٥]. تتمّة الآية السابقة.
[٦]. تتمّة الآية السابقة.
[٧]. تتمّة الآية السابقة.
[٨]. قارن مرآة العقول، ج ١، ص ٤٩.