مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠٣ - الجهاد التحريري ( الإبتدائي ) ، تحرير البشريه من الشرك
وليس هذا ممّا يخالف حرية الإنسان في اتّخاذ المعتقد الذي يريد ، لأنّ الحرية ليست مطلوبة على إطلاقها.
ثمّ إنّ تخليص البشرية من براثن الوثنية إنّما هو خدمة للبشرية وإحياء لها ، وإنقاذاً لشخصيّتها من ذلّ الخضوع تجاه الموجودات الحقيرة.
وهذا أمر ضروري حتّى إذا لم يدرك البشر أهمّيته ، أو امتنع من قبوله تمشّياً مع هواه.
فلو أنّ وزارة الصحّة ـ مثلاً ـ أرادت تلقيح الناس باللقاح الصحّي ضد مرض داهم ، أو وباء قادم ، لزم على الجميع قبول هذا الأمر ، ولم يكن لأحد الامتناع عن ذلك بحجّة أنّه حرّ لا يجوز إكراهه على شيء.
فلا تسمع منه هذه الحجّة ، ولا يقبل منه هذا الرفض ، حفاظاً على الصحّة العامّة وصيانة للمجتمع من العدوى.
ويعتبر هذا الإكراه والإلزام بهذا الأمر العقلائي رحمة له ، ولطفاً به لا ظلماً وعدواناً.
إنّ عبادة الوثن تجعل عابد الوثن أذل من الصنم الذي نحته بيديه ... وإلى ذلك يشير سبحانه ـ مستنكراً ـ : ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ )؟ ( الصافّات / ٩٥ ).
ثمّ إنّ الخضوع للوثن يوجب إنحطاط الفكر الإنساني ووقوعه في الخرافات التي هي بمثابة القيود والأغلال للفكر البشري ، تمنعه عن الانطلاق في مدارج الرقي والتكامل ، وتحجز النفس الإنسانية من نموّ الفضائل والسجايا الخلقية الكريمة.
هذا مضافاً إلى أنّ عبادة الأوثان والأصنام توجد اختلافاً وتحزّباً بين البشر ، وتفرّق وحدته ، وتمزّق صفّه إذ كل جماعة تتّخذ وثناً خاصّاً تعبده وتتمسّك به ، وتنفي سواه ، وفي ذلك ضرر عظيم على حياة البشرية لا يقل عن خطر الطاعون والوباء ، وفي ذلك يقول الله حاكياً عن لسان يوسف :
( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ( يوسف / ٣٩ ).