مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥ - ثقافة قومه
والعرب في اُمّ القرى وما حولها كانت اُمّيّة لا تقرأ ولا تكتب ، وقد نشأ النبيّ بينهم ، ويؤيّد ذلكَ ما ذكره الإمام البلاذري في « فتوح البلدان » حيث أتى بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة والكتابة فما تجاوز عن سبعة عشر رجلاً في مكّة ، وعن أحد عشر نفراً في يثرب [١].
وعلى ضوء ذلك فالسائد على تلك المنطقة كانت هي الاُمّيّة المطلقة إلاّ من شذّ.
نعم ، ما ذكرنا من سيادة الاُمّيّة على العرب لا ينافي وجود الحضارة في عرب اليمن حيث كانوا على أحسن ما يكون من المدنيّة ، فقد بنوا القصور المشهورة ، وشيّدوا الحصون ، وكانت لهم مدن عظيمة ، قال في كتابه الكريم :
( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ( سبأ / ١٥ ).
وكان لهم ملوك واقيال دوّخوا البلاد ، واستولوا على كثير من أقطار الأرض ، ولكن تلك الحضارة زالت وبادت بسيل العرم ، قال سبحانه :
( فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ) ( سبأ / ١٦ و ١٧ ).
وأمّا بنو عدنان ومن جاورهم من عرب اليمن فقد اختلّ أمرهم وتغيّر حالهم بعد أن فرّقهم حادث سيل العرم ، فمن ذلك اليوم فشى الجهل بينهم ، وقلّ العلم فيهم ، واضاعوا صنائعهم وتشتّتوا في الأطراف والأكناف ، ووقع التنازع والتشاجر بين القبائل ، وتكاثرت البغضاء بينهم ، فلم يبق عندهم علم منزل ، ولا شريعة موروثة من نبي ، ولا العلوم كالحساب والطب ، وانحصر عملهم بما سمحت قرائحهم من الشعر والخطب ، أو ما حفظوه من أنسابهم وايامهم ، أو ما احتاجوا
[١] فتوح البلدان ص ٤٥٧.