مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٩ - سمات العبودية في المسيح
ب ـ ( بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) :
إنّ هذه الجملة مشعرة ببرهان دامغ وهو أنّ كل ما في الكون قانت لله وخاضع لسلطته ومسخّر ومقهور له ومن هذا شأنه لا يتصوّر أن يكون له ولد وذلك لأنّ الولد يكون مماثلاً للوالد ، فكما هو واجب الوجود يكون الولد مشاطراً له في ذلك ، وما هو كذلك لا يمكن أن يكون مقهوراً ومسخّراً لموجود من الموجودات.
ج ـ ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) :
أي انّه سبحانه خالق مبدع لهما وما فيهما والمراد من الإبداع هو خلقهما بلا مثال سابق ولا مادّة متقدّمة ، فيكون المجموع مسبوقاً بالعدم ، وما هو كذلك كيف يمكن أن يكون ولداً لله سبحانه ؟ لما عرفت من أنّ الولد يماثل الوالد في الالوهيّة ووجوب الوجود ، وهو لا يجتمع مع كون السموات والأرض وما فيهما مخلوقاً حادثاً مسبوقاً بالعدم.
د ـ ( وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) :
وهذه الآية تفيد أنّ سنّة الله تبارك وتعالى في الإيجاد والإنشاء والخلق ، وأنّه لو أراد إيجاد شيء فإنّه يوجد بلا تريّث أو تلبّث ، ولكنّ الولد إنّما يتكوّن من إلتقاء النطفتين في رحم الاُم ثمّ يتكامل تدريجيّاً على إمتداد أمد بعيد وهذا لا يجتمع مع ما مرّ ذكره في السنّة الحكيمة.
ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي جعل الجمل الثلاث مشيرة إلى برهانين ( لا إلى ثلاثة براهين كما أوضحناه ) فقال :
إنّ قوله : ( بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... ) يشتمل على برهانين ينفي كلّ منهما الولادة وتحقّق الولد منه سبحانه ، فإنّ اتّخاذ الولد هو أن يجزي موجود طبيعي ، بعض أجزاء وجوده ويفصله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجية فرداً من نوعه مماثلاً لنفسه ، وهو سبحانه منزّه عن المثل بل كل شيء ممّا في السموات والأرض مملوك له قائم الذات به قانت ذليل عنده ذلّة وجودية فكيف يكون شيء من الأشياء ولداً له