مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٩ - خاتمه المطاف
نظائر متعدّدة على امتداد التاريخ الإسلامي ، فقد تحالفت الوثنية مع النصرانية في القرن السادس والسابع الهجريين ، فشنّوا الغارات الشرسة على العالم الإسلامي ، ومزّقوه شر ممزّق ، فقد جاء التتار وهم الوثنية من الجهة الشرقية ، بينما جاءت النصرانية من جانب الغرب فهجموا على البلاد ، وفتكوا بأهلها فتكاً ذريعاً لم يذكر التاريخ له مثيلاً.
ب ـ إنّ الإنتصار رهن عاملين قويين : أحدها بشري والآخر غيبي.
فأمّا الأوّل وهو القيام بالتخطيط العسكري ، وحفر الخندق ، وحشد القوى بتمام طاقاتها ، وبذل كل ما كانوا يملكونه لصدّ هجوم العدو ولم يكن التخطيط العسكري الذي انتخبه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم منحصراً بحفر الخندق ، بل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في كسر جبهة الأعداء استعان بالجواسيس وبث العيون وقد كان لنعيم بن مسعود في الفتك بوحدتهم دور هام ، على ما مر بيانه وربّما يوازي عمله عمل أدهى أجهزة الإستخبارات العالمية.
وأمّا الثاني وهو الغيبي فقد سلط الله عليهم الريح والبرد القارس ، حتى سلبت عنهم الراحة والاستقرار والقدرة على البقاء ، فهذا حذيفة بن اليمان الذى أرسله الرسول جاسوساً إلى القوم حيث قال له : اذهب فادخل في القوم ، فانظر ماذا يصنعون ولا تحدثن شيئاً ، حتىٰ تأتينا ، قال فذهبت فد خلت في القوم ، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقرّ لهم قدراً ولا ناراً ولا بناءً ، فقام أبو سفيان فقال : احذروا الجواسيس والعيون ولينظر كل رجل جليسه ، قال حذيفه فالتفتّ إلى عمرو بن العاص فقلت : من أنت ، وهو عن يمينى فقال : عمرو بن العاص ، والتفتّ إلى معاوية بن ابى سفيان فقلت : من أنت فقال : معاوية بن أبى سفيان ، ثم قال أبو سفيان : إنّكم والله لستم بدار مقام ، لقد هلك الخف والكراع ( إلى أن قال حذيفه ) فقام أبو سفيان وجلس على بعيره ، وهو معقول ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائمه فما اطلق عقاله إلاّ بعد ما قام [١].
[١] المغازي ج ٢ ص ٤٨٩ و ٤٩٠ ، والسيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ٢٣٢.