موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - نزول سورة البقرة
أصبحت الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبيّ عن ذلك فسكت، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية [١] فلعلّها كانت في بعض السرايا السابقة-قبل تحويل القبلة من بيت المقدس في الشام-في مشرق المدينة الى الكعبة في جنوبها، كما يأتي تفصيله.
و لو كانت الآية-كما روى الطوسي عن ابن عباس-ردّا على اليهود، فليس لانكارهم تحويل القبلة الى الكعبة، بل لانكارهم تحويل القبلة من الكعبة في بدء البعثة الى بيت المقدس في الشام بعد ذلك. و الجواب لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ يتكرّر عند تحويل القبلة الى الكعبة: قُلْ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ [٢] و لكنّه يصلح في المقامين، فكأنه كان هناك فاصل زمنيّ بين اعتراض اليهود على ذلك و بين تحويل القبلة.
و كأن الآية السابقة تقول: إنما منع مشركو مكة رسول اللّه من أن يذكر اللّه بالصلاة الى الكعبة في المسجد الحرام لاحتجاجهم على الرسول أنه يصلي الى الأصنام المنصوبة في الكعبة و حولها و عليها، و انما كان ذلك ظلما منهم، فهل أنتم اليهود تريدون أن تفعلوا مثل ذلك فتصدّوا رسول اللّه عن الصلاة الى بيت المقدس؟!و لما فعل مشركو مكة ذلك اذن ما يكون لهم أن يتوجّهوا للدخول الى المسجد الحرام في مكة الاّ خائفين بفعل السرايا المرسلة على قوافلهم التجارية في طريقهم الى مكة. و الطريف أن السرايا انما كانت تخوّفهم حين توجّههم للدخول الى مكة، لا حين خروجهم منها الى الشام. فالآية على هذا تضمّنت امضاء بعث السرايا، قبل نزول قوله سبحانه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا... [٣]
[١] مجمع البيان ١: ٣٦٣.
[٢] البقرة: ١٤٢.
[٣] الحج: ٣٩.