موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٤ - نقض بني قريظة
بيننا و بين محمّد، و قد وفى لنا محمّد و أحسن جوارنا. ثمّ نزل إليه من غرفته و قال له: من أنت؟قال: حييّ بن أخطب قد جئتك بعزّ الدهر!قال كعب: بل جئتني بذلّ الدهر!قال: يا كعب، هذه قريش في قادتها و سادتها قد نزلوا بالعقيق مع حلفائهم من كنانة، و هذه فزارة مع قادتها و سادتها قد نزلت الزغابة، و هذه سليم و غيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، و لا يفلت محمّد و أصحابه من هذا الجمع أبدا! فافتح الباب و انقض العهد الذي بينك و بين محمّد!
فقال كعب: لست بفاتح لك!ارجع من حيث جئت!
فقال حييّ: ما يمنعك من فتح الباب إلاّ جشيشتك [١] التي في التنور تخاف أن أشركك فيها، فافتح، فإنّك آمن من ذلك!
فقال له كعب: لعنك اللّه، قد دخلت عليّ من باب ضيّق. افتحوا له، ففتحوا له الباب، فقال: يا كعب، انقض العهد الذي بينك و بين محمّد و لا تردّ رأيي، فإنّ محمّدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت فلا تدرك مثله أبدا!
ثمّ اجتمع إليه كلّ من كان في الحصن من رؤسائهم مثل غزّال بن شموأل، و باشي بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الزّبير بن باطا. فقال لهم كعب: ما ترون؟ قالوا: أنت سيّدنا و المطاع فينا و أنت صاحب عهدنا، فإن نقضت نقضنا و إن أقمت أقمنا معك، و إن خرجت خرجنا معك.
و كان الزّبير بن باطا شيخا مجرّبا كبيرا قد ذهب بصره فقال: قد قرأت التوراة التي أنزلها اللّه في سفرنا بأنه يبعث نبيّا في آخر الزمان، يكون مخرجه بمكّة و مهاجرته بالمدينة إلى البحيرة، يركب الحمار العاري و يلبس الشملة، و يجتزئ بالكسيرات و التميرات، و هو الضحوك القتّال، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النبوّة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر.
[١] الجشيش: طعام يصنع من الشعير الجريش أو البر المطحون خشنا.
غ