موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٠ - صرخة إبليس؟!
منهم إلى الغنيمة فترك مركزه و أكبّ على النهب!و الذي كسر المسلمين يومئذ و نال منهم كلّ منال خالد بن الوليد، و كان فارسا شجاعا و معه خيل كثيرة و رجال أبطال موتورون، و استدار خلف الجبل فدخل من الثغرة التي كان الرماة عليها فأتى من وراء المسلمين، و تراجع قلب المشركين بعد الهزيمة فصار المسلمون بينهم في مثل الحلقة المستديرة و اختلط الناس، فلم يعرف المسلمون بعضهم بعضا و ضرب الرجل منهم أخاه و أباه بالسيف و هو لا يعرفه لشدّة النقع و الغبار، و لما اعتراهم من الدهشة و العجلة و الخوف، فكانت الدبرة عليهم بعد أن كانت لهم.
و مثل هذا يجري دائما في الحرب [١] و ليست الصرخة و لا الصيحة، اللّهم إلاّ تبريرا و توجيها للغلطة، و تخفيفا لدور ابن الوليد!و لم يذكر الصرخة النقيب أبو يزيد، و لا استدرك بها عليه ابن أبي الحديد.
و ينتبه ابن أبي الحديد في كتابه بعد هذا إلى منافاة و تهافت في أخبار الصيحة، فيقول: سألت المحدّث ابن النجّار عن هذا الموضع فقلت له: قصّة احد تدلّ على أنّ الدولة بادئ الحال كانت للمسلمين، فلمّا صاح الشيطان: قتل محمّد انهزم أكثرهم ثمّ ثاب أكثرهم فحاربوا حربا كثيرة طالت مدّتها حتى صار آخر النهار، ثمّ اصعدوا في الجبل و رسول اللّه معهم فتحاجزوا. إلاّ أنّ بعض روايات الواقدي يقتضي غير ذلك، نحو روايته: أنّه لمّا صاح الشيطان: إنّ محمّدا قد قتل، كان رسول اللّه ينادي المسلمين فلا يعرّجون عليه فوجّه نحو الجبل فانتهى إليهم و هم أوزاع يتذاكرون القتلى، فهذه الرواية تدلّ على أنّه اصعد في الجبل حيث صاح الشيطان، و صياح الشيطان كان حال غشيان خالد بن الوليد المسلمين من وراء الجبل و هم مشتغلون بالنهب، فكيف هذا؟
[١] شرح النهج ١٤: ٢٤٤ و ٢٤٥.