الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٤٩ - الأمر الثاني في أقسام القطع
من
المنجّزية والمعذّريّة لغير العلم، فكما أنّ المكلّف لو قطع بوجوب شيء
مثلا، كان منجّزا له وموجبا لاستحقاق العقوبة على مخالفته، ولو قطع بإباحة
شيء كان معذّرا له لو انكشف له حرمته بعد ذلك، فكذلك لو قام ما أعطاه
الشارع صفة المنجّزيّة والمعذّريّة-و إن لم تكن له في طبعه-على وجوب شيء
أو حرمة شيء يكون منجّزا ومعذّرا، وعلى هذا يكون غير العلم-الّذي له صفة
المنجّزيّة والمعذّريّة تعبّدا-حاله حال العلم الّذي يكون له ذلك ذاتا،
فكما تقوم الأمارة مقام القطع الطريقي المحض ويكون إخبار البيّنة بخمريّة
مائع بحكم العلم بذلك في ترتّب الحرمة عليه وتنجّزها تعبّدا، كذلك لو كان
القطع جزءا للموضوع بنحو الطريقيّة وكان الحكم مترتّبا على مقطوع الخمريّة،
يكون إخبار البيّنة بخمرية شيء منجّزا للواقع وموجبا لاستحقاق العقاب على
مخالفته، إذ على هذا القول تكون الأمارة منزّلة منزلة القطع في المنجّزيّة
والمعذّريّة دائما، ولا يكون المؤدّى منزّلة منزلة الواقع قط، فلا يكون في
البين إلاّ تنزيل واحد، وهو تنزيل غير العلم منزلة العلم[١]، فلا يلزم
محذور اجتماع اللحاظين.
و الحاصل: أنّ الإشكال ناشئ من القول بأنّ المجعول في الأمارات هو إثبات
الحكم الواقعي للمؤدّى، وهو بمراحل من الواقع، إذ لازمه التصويب المجمع على
بطلانه، ضرورة أنّ ما قامت الأمارة على وجوبه فهو واجب واقعي تعبّدا على
هذا القول.
[١]أقول: حديث التنزيل-سواء كان تنزيل غير العلم منزلة العلم أو تنزيل
المؤدّى منزلة الواقع-يتوقّف على كون دليل الحجّيّة منحصرا في الدليل
اللفظي، وأمّا إذا قلنا بأنّ دليلها منحصر في السيرة العقلائيّة وأنّ
الأدلّة اللفظيّة كلّها إرشادات إليها كما اعترفوا به، فلا مجال للبحث عن
التنزيل حتى يتبيّن أنّ المنزّل والمنزّل عليه ما هما. (م).