الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٥٥ - و أمّا الكلام في قيام الأصول المحرزة
إحراز
الخمر الواقعي المترتّب عليه حكم الحرمة مثلا باستصحاب الخمريّة!؟ وجهة
الجري العملي المترتّب على البناء والالتزام القلبي الّذي يسمّى بعقد
القلب، وهو من لوازم القطع وعوارضه لو لم يكن القاطع جاحدا ومشرّعا، بمعنى
أنّه من أفعال النّفس ومخترعاته، فللنفس أن يبني بعد قطعه ويعتقد على طبق
قطعه وعقد ما في قلبه بما في الخارج ويلتزم بما قطع به، وله أن لا يعتقد،
كما قال اللّه-تبارك وتعالى-: { و جحدُوا بِها و اِسْتيْقنتْها أنْفُسُهُمْ } [١]فلو
كان القطع أخذ في الموضوع من هذه الجهة، فيقوم الاستصحاب مقامه، فإنّ
المكلّف بمقتضى التعبّد الشرعي كان وظيفته الجري على طبق الحالة السابقة،
بمعنى أنّه وإن كان شاكّا في الواقع ولم ينكشف الواقع لديه إلاّ أنّه محرز
لما يترتّب على الانكشاف، وهو الجري والبناء، ولم يكن متردّدا ومتحيّرا في
أنّه هل يبني على هذا الطرف أو ذاك الطرف، وإذا كان بانيا على أحد الطرفين
ومعتقدا له تعبّدا، فكان بناؤه التعبّدي واعتقاده الجعلي كبنائه الوجداني
واعتقاده في ظرف القطع.
و بهذا البيان يظهر وجه تقديم الاستصحاب على الأصول غير المحرزة، فإنّ
موضوع تلك الأصول هو الشكّ والتحيّر من جميع الجهات من حيث الانكشاف ومن
حيث الجري العملي، بمعنى أنّ المكلّف إذا لم ينكشف لديه الواقع ولم يدر
بأنّه أيّ شيء يعتقد ويبني على أيّ طرف؟فهو وظيفته-في ظرف العمل-أن يعمل
بما شاء، وأنّه مطلق ومرفوع عنه ما لا يعلم به، وموضوع الاستصحاب هو الشاكّ
كذلك، لكنّ الشارع رفع تحيّره من جهة الجري العملي، وبعد تعبّد الشارع
بالبناء على طبق الحالة السابقة فلا يبقى
[١]النمل: ١٤.