الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٦ - الثانية-و هي جهة أصوليّة- يبحث فيها في مقامين
جعل
الطريقيّة لها وإعطاء صفة الطريقيّة الفاقد لها إيّاها، وبعد إعطاء صفة
الطريقيّة والكاشفيّة تكون حال الطريق الجعلي حال الطريق الوجداني بلا
تفاوت بينهما، كما لا يخفى.
فظهر أنّ النزاع لا يختصّ بمخالفة القطع غير المصادف للواقع، بل يعمّ مخالفة كلّ منجّز للحكم على تقدير عدم إصابته للواقع.
أمّا الكلام في المقام الأوّل من الجهة الأصوليّة-و هو شمول إطلاقات
الأدلّة للمقطوع، وعدمه-فالقائل بالشمول قدّم لإثبات ذلك مقدّمات ثلاثا:
الأولى: أنّ الخطابات-التي تكون بنحو القضايا الحقيقيّة وتعلّق الحكم فيها
بالموضوعات المقدّر وجودها-يكون متعلّق الحكم فيها هو الحصّة الاختياريّة،
فما يكون خارجا عن تحت اختيار المكلّف-مثل وجود الخمر والماء، فما يكون
خارجا عن تحت اختيار المكلّف-مثل وجود الخمر والماء، وهكذا خمريّة المائع
ومائيّته-خارج عن حيّز الخطاب، ففي قضيّة «لا تشرب الخمر»يكون متعلّق النهي
هو الشرب الاختياري، وأمّا خمريّة المائع وانطباق الخمر وصدقه عليه فلا
بدّ وأن يكون مفروض الوجود.
الثانية: أنّ الغرض من البعث والزجر ليس إلاّ الانبعاث إلى ما بعث إليه
والانزجار عمّا زجر عنه، ومن المعلوم أنّ المحرّك لإرادة العبد واختياره هو
العلم بالموجود الخارجي وحضوره في النّفس، لا نفس الموجود الخارجي، ضرورة
أنّ العطشان مع كمال ميله ونهاية شوقه إلى الماء لا تتحرّك عضلاته نحو
الماء الخارجي ما لم يعلم بوجوده، بل ربّما يموت عطشا مع حضور الماء عنده،
والإنسان لا يفرّ من الأسد الخارجي ما لم يعلم به بل ربّما يفترسه لذلك.
و الحاصل: أنّ العلّة للانبعاث والانزجار هو الوجود العلمي، كان له مطابق
في الخارج أم لم يكن، ونفس صفة العلم والصورة النفسانيّة، لها مدخليّة في
تحريك إرادة العبد واختياره.